إِبْراهِيمَ، فَأَخَذَ القَلَمَ مِنِّي وَأَحْكَمَ كِتابَهُ (أصلَحَ ما فيه) وقالَ: صَدَقْتَ، فَقِيلَ للبُخَارِيِّ: ابْنَ كَمْ كُنْتَ حِينَ رَدَدْتَ عَلَيْهِ؟، قال: ابْنَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةَ!!. انْتَهَى.
وإنّما وَجْهُ العَجَبِ في هذا أنَّ أسماءَ الرُّواةِ تَبْلَغُ الآلآفَ؛ معَ تَشابُهِ كَثيرٍ مِنْها، ثُمَّ مَعَ هذا يَسْتَحْضِرُ اسْمَ الراوِي واسْمَ مَنْ يَرْوي عنْهُ في هذه السنِّ المُبَكِّرة!!، فَسُبْحانَ رَبِّنا الوهاب.
وهذا وإنْ كانَ أُعْجُوبَةً فإنَّ للمُجْتَمَعِ الذي يَنْشَأُ الصبِيُّ فيهِ أثرًا عَلَيه، والحِفْظُ مَيْسُورٌ للصبِيِّ فِي الجُمْلَة، ألا تَرَى كثِيرِينَ مِن الصِّبْيانِ فِي أيامِنا هذهِ يَحْفَظُونَ بِتاثيرِ انْتِشارِ وسائلِ المَعْرِفِةَ المرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ ما عَساهُ يَبْلُغُ المُجلَّدَ والمُجلَّدينِ مِن المَعْلُوماتِ التي لا قِيمَةَ لكَثيرٍ مِنْها في كَثيرٍ مِن الأحيانِ؛ كأسماءِ اللاعِبينَ والمُغَنِّينَ والمُمَثِّلينَ!، وقَصَصِ (الأفلامِ) وحِكاياتِ الصغار؛ دُوَنَ جُهْدٍ يُذْكَرُ في إيصالِ المُعْلُومَةِ إلى الصغيرِ سِوَى عَرْضِها عَليهِ بأُسْلُوبٍ يَشُدُّ انْتِباهَهُ إليها، فَكَيْفَ لَوْ كانَ الجُهْدُ هذا فِيما يَنْفعُ وصارَ دَوْرًا يَضطلعُ المُجْتَمَعُ بالقِيامِ به؟!.
وانْظُرْ فِي خَبَرِ أَبِي عُمَرَ الإِشْبِيلِيِّ؛ وقِصَّتِهِ مَعَ الرجُلِ الذي أَنْكَرَ بِنْتًا لَه؛ تُوُفِّيَ سَنَةَ (401) للهِجْرَة:
ذكرَهُ القاضي عياض في تَرْتِيبِ المَدارك وأنهُ كانَ آيةً مِن آياتِ اللهِ في الحفظِ معَ الذكاء وحِدَّةِ الذهن؛ وَمِنْ غَرَائِبِ ذَكائِهِ وَتَلَطُّفِهِ، أَنَّ بَعْضَ الْحُكَّامِ وَجَّهَ إلَى امْرَأَةٍ مَعَهَا بُنَيَّةٌ تَطْلُبُ فَرْضَ نَفَقَتِها مِنْ أَبِيهَا، والرَّجُلُ يُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ ابْنَتَهُ!، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ يَعِظُهُ، ويُخَوِّفُهُ، وَيَسْتَلْطِفُهُ، وَلا تَنْفَعُهُ رَافَةٌ فِيه، وكانَتْ عادَتُهُ الصبْرَ فِي مِثْلِ هذا. إلَى أَنْ أَخَذَ أَبُو عُمَرَ الطِّفْلَةَ، وكانَتْ حَسَنَةَ الصُّورَةِ (جَمِيلَةً) ، عليها فَرْوَةٌ جَدِيدَةٌ، فَاجْلَسَهَا فِي حِجْرِهِ، وجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْها، ويُثْنِي عَلَى حُسْنِها، وَيَتَرَصَّدُ غَفْلَةَ الرَّجُلِ، إلَى أَنْ رَآهُ مُطْرِقًا غَافِلًا، فَقَالَ: حَتَّى فَرْوُهَا مُشِاكِلٌ لَها (أي: جَمِيلٌ مِثْلُها) ، أَحْسَنَ فِي شِرائِهِ أَخْلَفَ اللهُ لَه، ثُمَّ قَالَ لَهُ مُسْتَعْجِلًا: بِكَمْ بِاللهِ اشْتَرَيْتَهُ؟؛ فَقَالَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ: بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ!؛ قُمْ فاَفْرِضْ لابْنَتِكَ (مِن النفَقَةِ) أَقَلَّ ما يَلْزَمُكَ، فَخَجِلَ الرجُلُ وَأَذْعَنَ. انْتَهَى.
وَفِي أَخْبارِ أبِي بكر بن الحداد المصريِّ؛ وقِصَّةِ المُلاعَنَة؛ ماتَ سَنَةَ (345) :
أُعْجُوبَةٌ في الذكاءِ؛ ولَم يكنْ لهُ مثيلٌ في حفظِ القرآنِ في زَمَنِه، ذكرهُ السبُكِيُّ في طَبَقاتِ الشافِعِيَّة، كادَتْ الْمُلاَعَنَةُ بَيْنَ زَوْجَيْنِ تَقَعُ فِي زَمانِهِ، وذَلِكَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَجَحَدَ بِنْتًا مِنْ (أمَةٍ) لَهُ كانَ قَدْ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا؛ فَشَرَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي إجْراءِ اللِّعَانِ الذي ذُكِرَ فِي سُورَةِ النورِ بَيْنَ الزّوْجَيْنِ؛ وَتَهَيّأَ