ورَفَعْتَ ذِكْرَ اللهِ فِي أُمِّيَّةٍ ... وثَنِيَّةٍ ونَفَحْتَهَا الإيمانَا
مَرْحَى لأُمِّيٍّ يُعَلِّمُ سِفْرُهُ ... نُبَغَاءَ يَعْرُبَ حِكْمَةً وبَيانَا
إِنِّي مَسِيحِيٌّ أَحِبُّ مُحَمّدًا ... وأَراهُ فِي فَلَكِ العُلا عُنْوانا!.
ولما وَقَعَتْ حادِثَةُ الرُّسُومِ المُسِيئَةِ الشَّهِيرَةِ مِنْ نَحْوِ عامَيْنِ تَكَلَّمَ المُتَكَلِّمُونَ حتَّى بُحَّتِ الحَناجِرُ!؛ وكَتَبَ الكاتُبُونَ حَتى تَمَزَّقَتِ الأوْراقُ والدفاتِر!؛ ورأَيْتُ بَعْدَها بَياناتٍ عَلَّقَ عَلَيْها عَشراتٌ مِن العَلُماء، قدّمَ أَحَدُها أكثَرَ مِنْ سِتينَ حَلاًّ لِهذهِ المُعْضِلَةِ الجديدة!؛ لكنّهُ لَمْ يُشرِ البَتَّةَ لا مِنْ قَرِيبٍ ولا مِنْ بَعِيدٍ لنَحْوِ قَوْلِهِ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلم: مَنْ لِي بِكَعْبِ بنِ الأشرفِ فقدْ آذي اللهَ ورَسُولَه!، فَما كانَ جَوابَ القَوْمِ إلا أنْ أعادُوا نَشْرَ الرسومِ ثانِيَةً قَبْلَ أشْهُرٍ يَسِيرَة!.
وَعْنْدي أنَّ هذه الحَوادِثَ وأمثالَها وإنْ كانت تُؤرِّقُ الأجْفانَ وتَبْعَثُ الأحْزانَ؛ إلاّ أنّها لَيْسَتْ المرَضَ العُضالَ!؛ لكنَّهُ العَرَضُ الأكْبَرُ الذي يُنَبِّئُ عَنْ عُمْقِ تَغَلْغُلِ الأدْواءِ في جَسَدِ أمَّتِنا؛ وعن الذي أصابَ الجَسدَ والروحَ مَعًا!.
ولا بُدُّ أن يَكُون هذا مُثِيرًا للعَزائم؛ ومُحَرِّكًا للهِمَمِ؛ ومُنَبِّهًا للعُقُول؛ ومِنْظارًا للبَصائر؛ ومِسْبارًا للحَقائق، فلا جَرَمَ أنْ نَبْعَثَ النذيرَ تِلْوَ النَّذير؛ وأنْ نَفْزَعَ إلى اعْتِبارِ حاضِرِنا بِماضِينا؛ لِنَنْظُرَ علَى أَيَّةِ أرْضٍ نَقِفُ؛ وعلى أيِّ أساسٍ نَعْتَمد؟!،وَإنَّها واللهِ الحَرْبُ!؛ ولَيْسَ يَصْلُحُ لَها إلاَّ الرجُلُ المَكِيثُ، وإنهُّ لنَبَأٌ لو تَعْلَمُونَ عَظيم.
نَحْنُ لا نُرِيدُ أنْ نُخَلِّيَ المَيْدَانَ لِعَدُوِّنا أَمامَ هذهِ الحَمْلَةِ الصليبِيَّةِ المُنْكَرَة؛ وأمامَ ما تتَعَرَّضُ لَهُ أُمَّتُنا مِِن الهَجَمات؛ نَعَمْ ...
لكنّنا لا نُرِيدُ أنْ نَكَثِّرَ عَلَيْنا الأعْداءَ والخُصُومَ مِنْ جِهَةٍ ...
ولا أنْ نَتْرُكَ خُطُوطَنا وفِئَتَنا مِنْ وَرائِنا خِلْوًا لِعَدُوِّنا يَعَيثُ ما شاءَ بإفْسادِ الأُصُولِ والمَبادِئِ والقِيَمِ؛ حتّى نُعِيدَها أُحُدًا ثانِيَةً مِنْ جِهَةٍ أخْرى ...
ولا أنْ نُهْمِلَ اسْتِمالَةَ عامَّةِ المُسْلِمِينَ فضلًا عَنْ خاصِّتِهِم وعُلَمائِهم إلَى صَفّنا ما وَسِعَنا ذلكَ وما اسْتَطَعْنا إلَيْهِ سَبيلا ...
ولا أنْ نَدَعَ الحَلَّ والعَقْدَ وَدِفَّةَ التوْجِيهِ بِيَدِ مَنْ لا يُحْسَنُ حتَّى إذا ما أَخَذَ بِنا يَمْنَةً ويَسْرَةً؛ قلنا: قَضاءٌ وقَدَر!! ...
ولا أنْ تَسْتَخِفَّنا الحَماسَةُ فِي المَيْدانِ فَنُضَيِّعَ سَلامَةَ الرايَ وحُسْنَ التدبِيرِ وَنَرْكَبَ مِنَ الأُمُورِ ما لا نَجِدُ مِنْهُ مَخْرَجًا!؛ وإنّما الرايُ فِي إِحْكامِ المَصْدَرِ قَبْلَ اخْتِيارِ المَوْرِد ...
وما لَمْ نَرْعَ ذلكَ حَقَّ رِعايَتَهِ طالَ عَلَيْنا الطريقُ؛ وتَفَرَّقَتْ بنا السبُل؛ وتَضَعْضَعَتِ الهِمَمُ، وما رُبَّكَ بِظَلامٍ للعَبِيد.
هذه بَعْضُ الخواطِرِ قَدمْتُها بَيْنَ يَدَي هذه المُسامَرات، أرَدتُ بها بَسْطَ العُذْرِ بَيْنَ يَدَي النَّهْجِ الذي سَلَكْتُهُ في كِتابَتها؛ وَوَدِدْتُ لو أنَّ الناظِرَ فِيها لَمْ يَعْجَلْ بالحُكْمِ عَلَيْها حَتَّى يَاتِيَ عَلَى آخِرِها؛ فإنها تَتَكَشَّفُ له إن شاءَ اللهُ عَن الذي قَصَدتُهُ مِنْها؛ فإنّنِي رُبما سَلَكْتُ بالحديثِ وادِيًا لأتوصَّلَ بِهِ إلى آخر؛ حيثُ تَكُونُ النفْسُ أَرْغَبَ فِي الأولِ وأكْثَرَ بهِ تَعَلُّقًا؛ كَمَنْ يُعْطِي المَريضَ الدواءَ بِما يُسِيغُهُ بِهِ مِنْ عَسَلٍ ونَحْوِهِ، وربَّما جارَيْتُ القارِئَ والسامِعَ فِيما ألِفَهُ واعْتادَهُ إعْلامًا مِنِّي لهُ باطِّلاعِي عَلَيْهِ وأنّنِي حِينَ أعْطِفُ عَلَيْهِ بِما يَنْقُضُهُ ويُبْطِلُهُ لَسْتُ جاهِلًا بِهِ ولا غافِلًا عَنْهُ، وغيرِ ذلكِ مِنَ المَقاصِدِ التي لا تخْفَى علَى العاقِلِ إنْ شاءَ اللهُ.