ولولا أنْ تَطُولَ فُصولُ هذه المُقَدِّمَةِ لأَتَيْتُ عَلَى كَثِيرٍ مما يُحتاجُ إليهِ مِنْ فِقْهِ هذا الباب؛ غَيرَ أننِي رَأَيْتُ إفْرادَهُ بِإحدَى المُسامَراتِ أَوْلَى؛ فلَيكُنْ مُحَلُّهُ إن شاءَ اللهُ هناك.
ولا يُشْكِلَنّ عليْكَ ما ذَكَرْناهُ لَك مَعَ ما أَمَرَ بِهِ الشرْعُ مِن البَيانِ وما حَرَّمَ مِنَ الكِتْمان، فَلا تَعارُضَ بَيْنَهُما إلاَّ حَيْثُ قَصُرَ النَّظَرُ وكانَ المُتَصَدِّرُ للدَّعْوَةِ خِلْوًا عنِ الفِقْهِ صِفْرَ اليَدَيْنِ مِنْه؛ يَصْدُقُ عَلَيْهِ المَثَلُ الهنْدِيُّ: كَمَنْ يَنْظُرُ إلى الدُّنْيا مِن قاعِ البِئرِ!!، وما أحْسَنَ ما قالَتْ بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي: إن العِلْمَ نافِذَةٌ عَلَى الحَياة؛ وعَلَى قَدْرِ اتِّساعِ النافِذةِ يَكُونُ فَهْمُ المَرْءِ لِما حَوْلَهُ وإدْراكُهُ لِما يَجِبُ عَلََيْهِ فِي دُنْياه!؛ ولَعَمْرُ اللهِ إِنَّها لَكَلِمَةٌ تَلُوحُ عَلَيْها آثارُ التوْفِيقِ وتَجْمَعُ فِي أطْوائِها كَثِيرًا مما نَحْتاجُ إلَيْه.
نَحْنُ أمامَ مُعْضِلاتٍ كَبِيرَةٍ تَحْتاجُ مِنَ الكَفاءاتِ والعُقُولِ والهِمَمِ ما يُوازِيها، تَبْدأُ بِسَبْرِ أَغْوارِ العِلَلِ وتَمْحِيصِ الأسْبابِ العَقِيدِيَّةِ والسِّياسِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ التي أدَّتْ بِنا إلى الحالِ الذي نَحْياهُ!، وتُثَنِّي بالوُقُوفِ عَلَى مَجامِع الأَدْواءِ ومَكامِنِها وتَسْلِيطِ المُعالَجَةِ عَليْها، ثُمَّ تضطلِعُ بِمُهِمَّةِ وَضْعِ خُطَّةٍ تَلُمُّ بها الشعَثَ وتَجْمعُ ما تَبَعْثَرَ منْ الجُهودِ وتُعِيدُ بها الأمَّةَ إلى سابِقِ عَهْدِها، وتَعْطِفُ علَى ما يُرَادُ بأُصُولِ الإسلامِ مِنَ الكَيْدِ وما يُثارُ حَوْلَها مِنَ الشبُهاتِ التي تَرْتَدي ثِيابَ العِلْمِ وتَسْتَنِدُ إلى البراهِينِ العِلْمِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ فِي زَعْمِ أَصْحابِها؛ فتواجِهُ هذه الحَمَلاتِ بِمِثْلِها!.
ثُمَّ نَحْنُ أمامَ هذه المُعْضِلاتِ والتَّعامُلِ مَعَها مِن نَاحِيَتَيْنِ:
ناحِيَةِ عَدُوٍّ يَتَرَبَّصُ؛ ويَتَعَمَّدُ اخْتِلاقَ الشُّبُهاتِ والعَقَابِيلِ؛ ولَنْ يَكُفَّ عَنْ ذلكَ إلى أنْ يَرِثَ اللهُ الأرْضَ ومَنْ عَلَيها!.
وناحِيَةِ مُسْلِمٍ غَافِلٍ أوْ مُتَعالِمٍ أو جَاهل!؛ وما شَرُّ الثلاثَةِ بالخَفِيِّ!!.
وفِي كُلِّ خَطْوَةٍ منَ الخُطُوَاتِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْنا رِعايَةُ هذا كُلِّه؛ عَلَى الوَجْهِ الذي يَتَحَقّقُ بِهِ المَقْصُودُ بِأَيْسَرِ التكالِيفِ، فلا الحُلُولُ التِي تَتَعَلَّقُ بالمقْصُودِ وتَنْقَطِعُ عَنِ النظَرِ إلى التّكالِيفِ مَهْما عَظُمَتْ ورُبَّما كانَ الشارِعُ لَمْ يَامُرْ بِها أَصْلًا لِخُرُوجِها عَنِ المَقْدُور فَتَعُودَ عَلَى المُكَلَّفِ بالعَجْزِ حَتَّى يَنْقَطِعَ دُونَ المَطْلُوبِ!، ولا الحُلُولُ التِي تَتَجَرَّدُ عَنِ البَحْثِ فِي أَصْلِ العِلَّةِ وتُهْمِلُ مَبْعَثَ الداءِ حَتّى تَرُمَّ الجِراحَ عَلَى الفَسادِ!؛ أوْ تَكُونَ ضَرْبًا مِن الخَيالاتِ والأوْهامِ التي لا حَقِيقَةَ لَها!!
وَقَدْ كَتَبْتُ (فاتِحَةَ الأسمارِ) هذهِ بَعْدَ مَلاحِمِ غَزّةَ الأخِيرَةِ؛ والتي قُتِلَ فِيها مَنْ قُتِلَ مِنَ المُسْلِمينَ رَحِمَهمُ الله وتَقَبَّلَهُمْ أجْمَعِين، وبَعْدَ أنْ كَتَبْتُ المُسامَرَةَ السادِسَةَ الخاصَّةَ بِها وهِيَ (رِسالَةُ غَزَّةَ) ؛ ورأَيْتُ ما رَآهُ الناسُ ويَرَوْنَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَثِيلاتِها خِلالَ أعْوامٍ مُتَطاوِلَةٍ؛ لا مِنْ بَاعَةِ الدينِ بالهَوَى!، بَلْ مِنْ جُمُوعِ العُلَماءِ وأَكابِرِ الناسِ وأَهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ في كُلِّ بلَدٍ ومِصْر!؛ مِمَّنْ لا يَزالُ يَبْحَثُ! لِمُعْضِلَةِ غَزَّةَ ولِبَلْوَى فِلَسْطِينَ عَنْ الحلِّ فِي كلِّ شِعْبٍ وَوادٍ؛ ويابَى أنْ يَسْلُكُ الجادَّةَ التي يَعْلَمُ هُوَ وغَيْرُهُ عِلْمَ اليَقِينِ أنْ لا مَناصَ مِنْ رُكُوبِها؛ وإنْ أشارَ إلَيْها فَعَلَى اسْتِحْياءٍ ولا يَكادُ يُبِينُ!، وكَأَّنَّ (ولْ دُيورانْتْ) مؤلِّفَ (قِصَّةِ الحَضارَةِ) أحْظى مِنْهُ بِفَهْمِ رُوحِ الإسلامِ حينَ قال: وليْسَ في التاريخِ دِينٌ غيرَ دينِ الإسلامٍ يَدْعُو أتْباعَهُ علَى الدوامِ إلى أنْ يَكُونوا أقوِياءَ!؛ ولمْ يفلِحْ في هذه الدعْوَةِ دينٌ آخَرُ بِقَدْرِ ما أَفْلَحَ فيها الإسلام!!. انتهى.
أو كأَنَّ الشاعِرَ النصرانِيَّ عَلِمَ ما لَمْ يعْلمْهُ!! أولئكَ حينَ قال:
أَمُحَمَّدٌ والمَجْدُ بعْضُ صِفاتِهِ ... مَجّدْتَ في تَعْليمِكَ الآدابا
بُعِثَ الجِهادُ لَدُنْ بُعِثْتَ وجُرِّدَتْ ... أسيافُ صَحْبِكَ تَفْتَحُ البُلْدَانا!