وأنْ نُقارِنَ بَينَ مَوْقِفِ الإسلامِ مِن تِلكَ السنَّةِ الكَوْنِيَّةِ والضرُورَةِ الاجْتِماعِيَّةِ مِن جِهَةٍ، وبَيْنَ مَواقِفِ الأمَمِ الأخْرَى مِنْها، لِيتَبَيَّنَ لِمَنْ شاءَ اللهُ هِدايَتَهُ من الخلْقِ مَنِ المُوافِقُ لَها ومَنِ الناقِضُ لأُصولِها الخارِجُ عَن سُنَّةِ اللهِ وهَدْيِهِ فِي ذلكَ شَرْعا وقَدَرًا!.
وسَأزِيدُ ذلكَ بَيانًا فَأنْصِتِي إلَيَّ؛ فَإنَّ الأُمَمَ لا يُصِيبُها داءٌ أَدْوَءُ مِن الجَهْلِ، والقَوْلُ علَى اللهِ تعالَى بلاَ علْمٍ أصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ ومَنبَعُ كُلِّ رَزِيَّة.
-خَلَقَ اللهُ تعالَى الخَلْقَ يا بُنَيَّةُ مِن ذكَرٍ وأُنْثَى، وجَعَلَ فِي طَبْعِ كُلٍّ مِنْهُما المَيْلَ إلَى الآخَرِ، ولَيْسَ هَذا المَيْلُ مَيْلَ شَهْوَةٍ فَحَسْبُ كَما يتَخَيَّلُ أُسارَى الأهْواءِ وعَبِيدُ الشهَواتِ!، بَلْ هُو فَوْقَ ذلكَ مَيْلٌ بِحَسْبِ طَبِيعَةِ كُلٍّ مِنْهُما وتَكْوِينِهِ، فَمَيْلُ الذكَرِ إلَى الأُنْثَى مَيْلُ طَلَبٍ للسكِينَةِ؛ وَمَيْلُ رَاحَةٍ مِمّا خُلِقَ لَهُ مِن الكَدْحِ والشقاءِ فِي الحَياةِ، وكأَنَّ الحِكْمَةَ فِي ذلكَ أنْ تَكُونَ حافِزًا لاسْتِئْنافِ الحياةِ مِن جَديدٍ كُلَّما أَرْهَقَتْهُ بِأحْمالِها وناءَتْ بِهِ مَتاعِبُها، ومَيْلُ الأُنْثَى ... إلَى الذكَرِ مَيْلُ الضعِيفِ إلَى القَوِيِّ؛ ومَنْ يَطْلُبُ كَنَفًا يَلْجَأُ إلَيْهِ مِن عادِياتِ الدهِرِ وآلامِهِ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالَى جَعلَ لَكُلٍّ مِنْهُما وَظِيفَةً يَخْتَصُّ بِها، وأَوجَبَ ذلكَ فُرُوقًا ظاهِرَةً فِي الخِلْقَةِ والتَكْوِينِ، بَحَيْثُ يَسْتَحِيلُ مَعَها أنْ يَقُومَ أحَدُهما مَقامَ الآخَرِ وإنِ اشْتَرَكا فِي صِفاتٍ أُخْرَى، ولَيسَ اشتَراكُ الشيئَيْنِ فِي بَعْضِ الصفاتِ بِمُوجِبٍ تَساوِيهِما فٍي جَمِيعِها، وإلاّ لَزِمَ مِن ذلكَ التَّسْوِيَةُ بَينَ الإنْسانِ والبَهِيمَةِ! لأنَّهُما يَشْتَرِكانِ فِي بَعْضِ الصفاتِ أيْضًا.
بَلْ إنَّ ذلكَ واقِعٌ فِي الإنْسانِ نَفْسِهِ، فالرجُلُ والصَّبِيُّ؛ والعاقِلُ والمَجْنُونُ - وكُلُّ هَؤلاءِ مِن جِنْسِ الرجُل، والرجُولَةُ والصبا؛ والعَقْلُ والجُنُونُ مِما لا كَسْبَ للإنسانِ فِيهِ - هَؤلاءِ لا تَلْزَمُ التَسْوِيةُ بَيْنَهُمْ أَيْضًا وإن اشتَرَكُوا فِي بَعْضِ الصفات.
وإذ الأَمْرُ علَى ما بَيّنّاهُ فالمُجْتَمَعُ لا يَقُومُ بِناؤُهُ إلا علَى مُراعاةِ هَذه الفوارِقِ؛ ووَضْعِ كُلِّ فَرِيقٍ فِي المَوْضِعِ الذي يُلائِمُهُ، (والإسْلامُ قَدْ راعَى هَذه الفوارِقَ مُراعاةً لا مِزِيدَ علَيْها، حَتَّى وَجَدْنا العُلَماءَ رَحِمَهُمُ اللهُ؛ الجَلالَ السّيُوطِيَّ وغَيْرَهُ قَدْ ذكَُرُوا مِن الفوارِقِ بَينَ الرجُلِ والمَرْأَةِ فِي الأحْكامِ سَبْعَينَ فَرْقًا أو يَزِيدُ عَدًّا؛ وَلاَ نَرَى الإطالَةَ بِذكْرِها) .
ولا يَسَتَخِفَّنَّكِ يا بُنَيَّةُ الذينَ لا يُوقِنُونَ، فَإنْهُمْ رُبَّما قالُوا لكِ: فَها أَنْتُمْ تَعْتَرِفُونَ بِأنَّ الإسْلامَ فَرَّقَ بَينَهُمَا!، فَقُولِي: نَعَم؛ وألف نَعَم، فَإنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما فِي مَواضِعِ التَّفْرِيقِ ظُلْمٌ لِكِلَيْهِما؛ كالتَّفْرِيقِ بَينَهما فِي مَواضِعِ التّسْوِيَةِ ولا فَرْقَ!، ومَنْ أبَى إلاّ المُساواةَ بَينَهُما مِن كُلِّ وَجْهٍ؛ فَلْيَجْعَلِ الرَّجُلَ مَحَلاًّ للحَمْلِ والوِلادَة؛ وللرّضاعَةِ والحَضانَةِ أيْضًا؛ ولِيَلْتَزِمْ كُلَّ ما يَلْزَمُ عَن ذلكَ ولا بُدَّ!!، أمّا نَحْنُ فَنَحْمَدُ اللهَ علَى السلامَةِ وأنْ عافاناَ مِمَّا ابْتَلَى بِهِ كَثِيرِينَ مِمَّنْ هُمْ كالأنْعامِ بلْ هُمْ أضَل، ومَنْ وَصَلَ مِن القَوْمِ إلَى هَذا صَلُحَ لِلْمَسْخَرَةِ والتّسْلِيةِ، وإلاّ فَلْيُلْحَقْ بالمَعْتُوهِينَ والمَجانِينَ وِقايَةً للأُمَّةِ مِنْ ضَرَرِهِ وعَدْواه.
إنَّ المَرْأَةَ حَيْثُ قَُدِّرَ لَها أنْ تَكُونَ؛ وكَما يَنْبَغِي أنْ تَكُون، مُرَبِّيَةً للأُمَمِ وصانِعَةً للأجْيالِ!؛ تَقُومُ - لَوْ أُهِّلَتْ لذلكَ - بِما لا تَسْتَطِيعُ الأُمَمُ الحَدِيثَةُ بِما تَمْلِكُهُ مِن آلَةٍ جابَتْ بِها أنحاءَ الأرْضِ وأَقْطارَ السماءِ أنْ تَقُومَ بِه!، ولا شَيْءَ يَسْعَدُ بِهِ المَرْءُ - بَعْدَ تَقْوَى اللهِ تعالَى - سَعادَتَهُ بِوُجُودِهِ فِي المَوْضِعِ الذي يُوافِقُ جِبِلَّتَهُ وفِطْرَتَهُ، حَتَّى وإنْ أوْهَمَهُ الناسُ كَذِبًا خِلافَ ذلكَ، وهَذهِ (مارْلِينْ مُونْرُو) - وهِي مُمَثِّلَةٌ مَشْهُورَةُ، أَنْهَتْ حَياتَها وشُهْرَتَها بالانْتِحارِ! - كَتَبَتْ نَصِيحَةً قَبْلَ ذلكَ تُخاطِبُ فِيها فَتَياتِ قَوْمِها وَتَقُولُ: إِحْذَرِي الْمَجْدَ!؛ إِحْذَرِي مِنْ كُلِّ مَنْ يَخْدَعُكِ بِالأَضْوَاءِ!؛ إِنِّي أَتْعَسُ امْرَأَةٍ عَلَى هَذِهِ الأَرْض، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَكُونَ أُمًّا!، إِنّي امْرَأَةٌ أُفَضِّلُ البَيْتَ؛ الحياةَ العَائِلِيَّةَ الشَّرِيفَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، إِنّ سَعَادَةَ