وهذه طريقة لم أر أحدًا ممن يتكلم على التصحيح سلكها، إنما يصححون الخلاف المطلق من الروايات والأوجه والاحتمالات فقط، ففاتهم شيء كثير جدًا مع مسيس الحاجة إليه أكثر مما فعلوه، والله الموفق.
وأمشى في ذلك كله على قول واحد وهو الصحيح من المذهب، أو ما اصطلحنا عليه في (الإنصاف) و (تصحيح الفروع) فيما إذا اختلف الترجيح، وربما لم يذكر المسألة إلا واحد ونحوه فأذكره، فإن أشكل عليك شيء من ذلك فراجع أصلة (1) .
ويتضح مما في كتابي المرداوي، ومن خلال عمله الجاد، أنه بحق مصحح المذهب والمنقح له، والمظهر للراجح من الخلاف في المذهب الحنبلي.
سادسًا: مرحلة العودة إلى الاجتهاد:
ولقد قامت هذه المرحلة على يدي شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني الدمشقي (ت 763 هـ) .
حيث أعاد للفقه الإسلامي عامة، والفقه الحنبلي خاصة، روحه بعمله بالاجتهاد، وقوله بعدم سد بابه، وأنه لن يغلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ما توافرت الشروط الواجب توافرها في المجتهد.
ولقد كان لشيخ الإسلام ابن تيمية، اختيارته المشهورة، وانفراده بآراء وأقوال انفرد بها عن الفقهاء وأئمة المذاهب ومن ذلك قوله بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، مخالفًا بهذا القول أئمة المذاهب الأربعة (2) ، وله من الحجج والبراهين والاستدلالات في كل مسألة ما يقوي رأيه ويثبته.
ولذلك يعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية علامة بارزة في الفقه الإسلامي، ولقد خلف هذا العالم الكبير ثروة كبيرة، ومن أهم ما ترك فتاواه (3) ومؤلفاته العلمية.
وتعطي صورة حقيقية عن اتساع علم الشيخ، وضربه في كل العلوم بسهم، فهي تشتمل على موضوعات في علم العقيدة والتوحيد كتوحيد الألوهية والربوبية
ـــــــــــــ
(1) التنقيح المشبع 18 - 20.
(2) سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث، يوسف بن عبدالهادي 18.
(3) طبعت فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية عدة طبعات في 37 مجلدًا. وطبعت مؤلفاته الأخرى مرارًا.