ولا الكلام، إنما كانوا يحفظون السنة والآثار ويجمعون الأخبار ويفتون بها، فمن نقل عنهم العلم والفقه كان رواية يتلقاها منهم، ورواية يفهمها منهم.
ومن دقق النظر، وحقق الفكر، شاهد جميع ذلك (1) .
قال الإمام أبو زهرة: (2) بعد أن ذكر شيئًا من لآرائه ومنهحه الفقهي: لذلك يحق لنا أن نقول إن أحمد إمام في الحديث ومن طريق هذه الإمامة في الحديث والآثار كانت إمامته في الفقه، وإن فقهه آثار في حقيقته، ومنطقه ومقاييسه وضوابطه ولونه ومظهره. ولقد أنكر لهذا ابن جرير الطبري أن يكون فقيهًا، وعده ابن قتيبة في المحدثين، ولم يعده من الفقهاء، وكثيرون قالوا مثل هذه المقالة أو قريبة منها.
ولكن النظرة الفاحصة لدراسته وما أثر عنه من أقوال وفتاوى في مسائل مختلفة: تجعلنا نحكم بأنه كان فقيهًا غلب عليه الأثر ومنحاه.
ومهما يكن حكم العلماء على الإمام أحمد بن حنبل من حيث كونه فقيهًا، فإن بين أيدينا مجموعة فقهية تنسب إليه، وروايات مختلفة ومتحدة ذات سند مرفوع تحكى عنه، وقد تلقاها العلماء بالقبول، وإن كان بعضهم منذ القدم قد أثار حولها غبارًا، وإن لم يحجبها ولم يطمسها، فإن العين عند الدراسة تواجهه في كشف الحقيقة من ورائه.
وبذلك يتضح السبب في هذه المقولة ألا وهي القول بعدم إمامة أحمد بن حنبل في علم الفقه، وكونه محدثًا لا فقيهًا. كما يتضح الرد على ذلك الأمر، وبيان وضوح إمامته في الفقه، وثبات هذا الأمر في هذا الزمن وعدم التشكيك
ـــــــــــــ
(1) الطبقات 1: 76.
(2) ابن حنبل 154.