وقال ابن هانئ النيسابوري: قال لي أبو عبد الله: بكر يومًا حتى تعارضني بشيء من الزهد، فبكرت إليه. وقلت لأم ولده: أعطني حصيرًا ومخدة فبسطته في الدهليز، فخرج أبو عبد الله ومعه الكتب والمحبرة، فنظر إلى الحصير والمخدة فقال: ما هذا؟ فقلت: لتجلس عليه. فقال: ارفعه، الزهد لا يحسن إلا بالزهد.
فرفعته، وجلس على التراب (1) .
معيشته:
من المعلوم أن الإمام أحمد عاش فقيرًا، ولم يكن ذا مال وفير، وكان يؤثر الخصاصة على أن يكون ذا مال لا يعرف مورده.
وكان الإمام أحمد رضي الله عنه قد خلف له أبوه طرزًا (2) ، ودارًا يسكنها، وكان يكري تلك الطرز، ويتعفف بكرائها عن الناس.
وإن هذه القلة التي كان يعيش منها أحمد قدرها ابن كثير بسبعة عشر درهمًا (3) .
قال محمد بن عبد الله: قال لي أحمد بن حنبل: أنا أذرع هذه الدار التي أسكنها، وأخرج الزكاة عنها في كل سنة. أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد (4) .
وقال أحمد بن جعفر: وسأل رجل أحمد بن حنبل عن العقار الذي يستغله ويسكن دارًا منه كيف سبيله عنده؛ فقال له: هذا شيء قد ورثته عن أبي. فإن جاء أحد، فصح أنه له خرجت عنه ودفعته إليه.
وكثيرًا ما كانت تضطره الحاجة لأن يعمل بيده، ليكسب قوته، أو يؤجر نفسه في عمل يعمله، إذا انقطعت به الطريق ولم يكن معه ما ينفق منه.
وكان يوثر ذلك الكد على أن يقبل عطاء (5) .
ـــــــــــــ
(1) المناقب 312 - 313.
(2) الطرز جمع طراز وهو موضع نسج الثياب الجيدة. ترتيب القاموس المحيط (3/ 66) .
(3) تاريخ المذاهب 2: 307.
(4) المناقب 288.
(5) تاريخ المذاهب 2: 306 - 307.