لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل.
فإذا حرم الرب شيئًا، وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له ومنعًا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الآباء.
بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته، أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة، لعد متناقضًا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال، ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله يسدان الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها.
ونقدم بعض الأدلة على وجوب سد الذرائع: استدل ابن القيم، رضي الله عنه، على وجوب سد الذرائع بتسعة وتسعين دليلًا، نختار منها بعض الأدلة، وهي من الكتاب والسنة والإجماع (1) .
أولًا: الكتاب: استدل من الكتاب بما يلي:
1 -قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} (2) .
ووجه الاستدلال: أن الله جلت قدرته قد نهى المؤمنين أن يقولوا للرسول صص راعنا، مع قصدهم الحسن، وذلك حتى لا يكون ذريعة للتشبه باليهود، الذين كانوا يخاطبون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقصدون بها السب والشتم، فقد كانوا يريدون فعلًا من الرعونة.
ـــــــــــــ
(1) أعلام الموقعين 3: 149.
(2) سورة البقرة، الآية 104.