ولا تحل معصيته. ومن أمثلة ذلك حديث تحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها.
وحديث التحريم بالرضاعة لكل ما يحرم من النسب.
ثم ينتهي الشيخ أبو زهرة إلى تلخيص لرأي الإمام أحمد والحنابلة من بعده في هذه المسألة، بأن قال: هذا مذهب أحمد، رضي الله عنه، في بيان القرآن الكريم، لا يستقيه إلا من السنة.
وهو مسلك الشافعي، رضي الله عنه، قد أثبته في رسالته، ولعل ذلك النحو هو الذي أعجب به أحمد عندما سمع الشافعي لأول مرة يلقي دروسه في مكة، فقد روى أن تلك الدروس كانت في بيان الناسخ والمنسوخ، وطرائق ذلك، ولعل هذا إنما أعجب أحمد لأنه يرضي نزعته الأثرية، ويوافق ما في نفسه من اعتبار السنة مفسرة هذا الدين (1) .
ثم قال الشيخ أبو زهرة: قد بينا في هذا الجزء من بحثنا أن أحمد يجعل السنة مفسرة لظاهر القرآن، وأنها مبينة لمعناه، وأن أحاديث الآحاد ترتفع إلى مرتبة تخصيص عام القرآن، وأن ذلك في الواقع قد يعد هو فيصل التفرقة بين الفقهاء الذين غلب عليهم الرأي، والفقهاء الذين غلب عليهم الأثر، فإن الذين غلب عليهم الرأي لا يأخذون بأخبار الآحاد في مقام تعرض له القرآن، ولو بصيغة العموم، إذ يجعلون عمومات القرآن في عمومها، ولا يجعلون خبر الآحاد في مرتبة تخصيصها، أما الفقهاء الذين غلب عليهم الأثر فيخصصون عام القرآن بالخبر مطلقًا، وقد وضح ذلك الشافعي في رسالته، وأحمد في كتابه: الناسخ والمنسوخ، وابن تيمية في: منهاج السنة، وابن القيم في: أعلام الموقعين (2) .
وزاد الشيخ أبو زهرة بعد أن ذكر أقوالًا لابن القيم: هذا كلام ابن القيم في مناصرة طريقة الإمام أحمد في قبول كل سنة صحيحة، وعدم عرضها على الكتاب قبل قبولها، بل يؤخذ بها، وتعتبر مفسرة للقرآن إن كان يحتاج إلى
ـــــــــــــ
(1) ابن حنبل 213.
(2) ابن حنبل 215.