فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 648

علم، وكان أكثر هؤلاء الفقهاء في المدينة بالحجاز، كما وجد من الفقهاء من لا يقف عند النصوص، بل يغوص في معانيها، ويتعرف على عللها، ويبني على هذه العلل وتلك المعاني الأحكام الجديدة، ولذا فما كان هؤلاء يتهيبون من الإفتاء بالرأي ولا يرون فيه تهجمًا على الشريعة بغير علم، بل فيه سلوك ما أرشدت إليه نصوص الشريعة، وما ورد فيها من تعليل الأحكام، كما أن هؤلاء وجدوا في كثرة وضع الحديث ما يدفعهم إلى المزيد من استعمال الرأي، وكان أكثر هذا النوع من الفقهاء في الكوفة بالعراق، وهكذا ظهرت مدرسة أهل الحديث في المدينة، ومدرسة أهل الرأي في الكوفة.

أساس الخلاف بين المدرستين:

(1) الأخذ بالرأي: فأهل الحديث يقفون عند النصوص والآثار والمعاني المتبادرة منها، ولا يميلون إلى الرأي ولا يأخذون به إلا اضطرارًا، وربما توقف بعضهم عن الإفتاء بالرأي فيما لا نص فيه.

أما فقهاء مدرسة الرأي فما كانوا يتهيبون من الفتوى بالرأي حيث لا نص في الكتاب ولا في السنة فيما يجتهدون فيه، ولهذا لأكثروا من استعمال الرأي بخلاف الأولين، وحجتهم في ذلك: أن أحكام الشريعة معقولة المعنى، وأنها اشتملت على مصالح العباد، وبنيت على أساس تحقيق تلك المصالح، فلا بد من البحث عن تلك العلل والمصالح التي شرعت الأحكام من أجلها، حتى يمكن للفقيه استنباط الأحكام الجديدة على ضوء هذه المصالح، وتلك العلل، ويستدلون أيضًا بفعل كبار فقهاء الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، حيث كانوا يأخذون بالرأي، وينظرون في علل الأحكام ومقاصدها.

(2) تفريع المسائل: كان فقهاء مدرسة الحديث لا يفرعون المسائل، ولا يفرضون الوقائع ثم يبحثون عن أحكامها، بل كانوا يقتصرون على الفتيا في المسائل الواقعة بالفعل، معتمدين على النصوص والآثار دون الرأي، أما فقهاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت