(2) أن الاجتهاد بالشورى الذي يؤدي إلى الاتفاق على رأي واحد أو تقريب وجهات النظر: لم يعد ممكنًا في هذا الدور، لتفرق الفقهاء في الأمصار، وتعذر المراجعة والمذاكرة والاتصال فيما بينهم على نحو مؤثر وكاف.
(3) أن البلاد التي نزلها الفقهاء، كانت مختلفة فيما بينهما في العادات والتقاليد ونظم المعاملات والأحوال الاجتماعية والاقتصادية وغير ذلك.
(4) أن أهل كل بلد تلقوا العلم عن فقهائهم، ووثقوا بهم لمعرفتهم بهم ومخالطتهم لهم، وقد دعاهم ذلك إلى التعلق بفتاواهم، والوثوق بمروياتهم، والسير على منهاجهم؛ فلم يكن من السهل عليهم التحول عما ألفوه وعرفوه وساروا عليه.
ثانيًا: شيوع رواية الحديث، سببه وأثره:
كان التحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد الصحابة قليلًا، أما في هذا الدور فقد شاعت رواية الحديث وكثرت، وسبب ذلك تفرق الفقهاء في البلاد، وتجدد الحوادث، وضرورة البحث عن أحكامها. فكان ذلك داعيًا إلى السؤال عن السنة، وقيام الحافظين لها بالتحديث واستنباط الأحكام منها، ولا شك أن أولئك الفقهاء ما كانوا سواء في درجة حفظ السنة، فقد كان عند بعضهم من السنة ما ليس عند الآخر، وكان منهم المكثرون في الرواية والمقلون.
ثالثًا: ظهور مدرسة أهل الحديث، ومدرسة أهل الرأي:
سبق أن ذكرت أن الاجتهاد بالرأي في عصر الخلفاء الراشدين كان يقوم على أساس النظر إلى علل الأحكام ومراعاة المصلحة، وأن الفقهاء كانوا فريقين: فريق يتهيب من الرأي ولا يلجأ إليه إلا قليلًا، وفريق لا يتهيب من الرأي بل يلجأ إليه كلما وجد ضرورة لذلك، وفي هذا العصر اشتد ظهور هاتين النزعتين، وأخذت تتحدد ملامح كل منهما، وتتبين مناهجها ويكثر أنصارها. فقد وجد الفقهاء من هاتين النزعتين، فكان منهم الوقافون عند النصوص لا يتجاوزونها ولا يميلون إلى الرأي، ورأوا في منهجهم هذا العصمة من الفتن، ومن الحكم بغير