ذكرنا، وإن لم يجعل فمع أولهما مذهبًا له، احتمل هذا الوقف، لاحتمال تقديم أرجحهما، وإن تساويا فالوقف أولى. وقال: قلت: ويحتمل التخير والتساقط (1) .
وخلاصة القول: في هذا المقام الذي تعددت فيه الأقوال بتعدد الوقائع، أن علماء المذهب الحنبلي قد اختلفوا على فريقين:
(أ) فريق كان يتسع صدره لاختلاف الأقوال، فيحكم بتعدد الأقوال متى تعذر التوفيق، ويتخذ من كثرة أقوال الإمام دليل كمال، لأنه كان، رحمه الله، كشأنه دائمًا يتحرى لدينه، ومن يتحرى لدينه يتردد، فتكثر أقواله.
(ب) فريق كان يميل إلى توحيد رأي الإمام، فهو يرجح بالتاريخ إن أسعف التاريخ، وإن لم يسعف يرجح بالموازنة بين الأقوال، وتحقيق النسبة لأقواها دليلًا، وأقربها إلى منطقه وقواعد مذهبه التي استنبطها العلماء المخرجون فيه، فإن لم يكن ذلك كان في المذهب قولان، وذلك عند الاضطرار يلجأ إليه، وتعليل اتجاه هؤلاء هو أن الأصل في المجتهد أن يكون له رأي واحد ينتهي إليه اجتهاده، وإن لم يتعين له رأي واحد في المسألة لا يكون له اجتهاد فيها، إذ الاجتهاد بذل الجهد لمعرفة الحكم، والحكم واحد، فيجب أن يكون للإمام قول واحد، فلا ينسب إليه القولان إلا إذا لم يكن لأحدهما مرجح.
وإذا كانت الروايات تختلف على حكم مسألة واحدة يرجح بينهما، ويقدم أقواها، وإن لم يكن رجحان قبلتا على رأي أصحاب المنهج الأول، وقدمت أقربهما إلى قواعد المذهب، وردت الأخرى على طريقة الفريق الثاني.
وذلك كله إذا لم يمكن التوفيق على ما سبق (2) .
وتخريج القولين في المسألة على أربعة أضرب (3) :
الضرب الأول: أن يذكر في القديم قولًا فيها، ثم يذكر في الجديد خلافه، فيكون هذا رجوعًا عن الأول، ويكون مذهبه الثاني.
ـــــــــــــ
(1) صفة الفتوى 87.
(2) ابن حنبل 193 - 194.
(3) المسودة 534 - 535.