الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ وَبَعْدَهَا مِنْ تَارِيخِ الْهِجْرَةِ وَقْتَ اسْتِيلَاءِ مَلَاعِينِ النَّصَارَى دَمَّرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ وَبَعْضِ كُوَرِ الْأَنْدَلُسِ. سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَاسْتَفْهَمُوهُ عَنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَة بِمُرْتَكِبِهَا فَأَجَابَ بِأَنَّ أَحْكَامَهُمْ جَارِيَةٌ مَعَ أَحْكَامِ مَنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يُهَاجِرْ وَأَلْحَقُوا هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولَ عَنْهُمْ وَالْمَسْكُوتَ عَنْ حُكْمِهِمْ بِهِمْ وَسُوِّيَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا فَرْقًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي مُوَالَاةِ الْأَعْدَاءِ وَمُسَاكَنَتِهِمْ وَمُدَاخَلَتِهِمْ وَمُلَابَسَتِهِمْ وَعَدَمِ مُبَايَنَتِهِمْ وَتَرْكِ الْهِجْرَةِ الْوَاجِبَةِ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا فِي الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْ فَرْضِهَا بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَلْحَقُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - الْأَحْكَامَ الْمَسْكُوتَ عَنْهَا فِي هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ بِالْأَحْكَامِ الْمُتَفَقَّهِ فِيهَا فِي أُولَئِكَ فَصَارَ اجْتِهَادُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مُجَرَّدِ إلْحَاقٍ لِمَسْكُوتٍ عَلَيْهِ بِمَنْطُوقٍ بِهِ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْمَعْنَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مِنْهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَدْلٌ مِنْ النَّظَرِ وَاحْتِيَاطٌ فِي الِاجْتِهَادِ وَرُكُونٌ إلَى الْوُقُوفِ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى الْمُقْتَدَى بِهِمْ فَكَانَ غَايَةً فِي الْحُسْنِ وَالدِّينِ.
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الْإِقَامَةِ مِنْ السُّنَّةِ فَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمٍ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» .قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» [1] وَفِي الْبَابِ عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ، فَهُوَ مِنْهُمْ» [2]
وَالتَّنْصِيصُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْمَقْصُودِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ نَظَرٌ سَلِيمٌ وَتَرْجِيحٌ مُسْتَقِيمٌ، وَقَدْ ثَبَتَا فِي الْحِسَانِ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ السِّتَّةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا رَحَى الْإِسْلَامِ قَالُوا: وَلَا مُعَارِضَ لَهُمَا لَا نَاسِخَ وَلَا مُخَصِّصَ وَلَا غَيْرَهُمَا وَمُقْتَضَاهُمَا لَا مُخَالِفَ
(1) - سنن أبي داود (3/ 45) (2645) وسنن الترمذي ت شاكر (4/ 155) (1604) صحيح
(2) - المعجم الكبير للطبراني (7/ 217) (6905) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 154) (2627) صحيح