فهرس الكتاب

الصفحة 924 من 3472

إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُهَاجِرِ بِهَا الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ إنْ عَادَ إلَى دَارِ إيمَانٍ وَإِسْلَامٍ كَمَا حُرِّمَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الرُّجُوعُ إلَى مَكَّةَ لِلَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ فِي ذَلِكَ.

قَالَ: فَإِذَا وَجَبَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَنْ يَهْجُرَهُ وَيَلْحَقَ بِدَارِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَثْوِي بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَيُقِيمُ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ لِئَلَّا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ فَكَيْفَ يُبَاحُ لِأَحَدٍ الدُّخُولُ إلَى بِلَادِهِمْ حَيْثُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ فِي تِجَارَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَسْكُنَ أَحَدٌ بِبَلَدٍ يُسَبُّ فِيهَا السَّلَفُ فَكَيْفَ بِبَلَدٍ يُكْفَرُ فِيهِ بِالرَّحْمَنِ وَتُعْبَدُ فِيهِ مِنْ دُونِهِ الْأَوْثَانُ لَا تَسْتَقِرُّ نَفْسُ أَحَدٍ عَلَى هَذَا إلَّا مُسْلِمٌ مَرِيضُ الْإِيمَانِ اهـ [1] .

فَإِنْ قُلْت الْمُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ صُورَةُ طُرُوِّ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِقَامَةِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ وَالصُّورَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا هِيَ طُرُوُّ الْإِقَامَةِ عَلَى أَصَالَةِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ الصُّورَتَيْنِ بَوْنٌ فَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلَال عَلَى الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْ حُكْمِهَا.

قُلْت: تَفَقُّهُ الْمُتَقَدِّمِينَ إنَّمَا هُوَ فِي تَارِكِ الْهِجْرَةِ مُطْلَقًا وَمَثَّلُوا ذَلِكَ بِصُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ، وَهُوَ مَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَقَامَ، وَهَذِهِ الْمَسْئُولُ عَنْهَا أَيْضًا صُورَةٌ ثَانِيَةٌ مِنْ صُوَرِهِ لَا تُخَالِفُ الْأُولَى الْمُمَثَّلَ بِهَا إلَّا فِي طُرُقِ الْإِقَامَةِ خَاصَّةً فَالصُّورَةُ الْأُولَى الْمُمَثَّلُ بِهَا عِنْدَهُمْ طَرَأَ الْإِسْلَامُ فِيهَا عَلَى الْإِقَامَةِ وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ الْمُلْحَقَةُ بِهَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا طَرَأَتْ الْإِقَامَةُ فِيهَا عَلَى الْإِسْلَامِ وَاخْتِلَافُ الطُّرُوِّ فَرْقٌ صُورِيٌّ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي اسْتِدْعَاءِ نَصِّ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَانْتِهَائِهِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا خَصَّ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى الْمُقْتَدَى بِهِمْ الْكَلَامَ بِصُورَةِ مَنْ أَسْلَمَ، وَلَمْ يُهَاجِرْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمُوَالَاةَ الشِّرْكِيَّةِ كَانَتْ مَفْقُودَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ وَعِزَّتِهِ، وَلَمْ تَحْدُثْ عَلَى مَا قِيلَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مِئِينَ مِنْ السِّنِينَ وَبَعْدَ انْقِرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِأَحْكَامِهَا الْفِقْهِيَّةِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا نَبَغَتْ هَذِهِ الْمُوَالَاةُ النَّصْرَانِيَّةُ فِي

(1) - انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (2/ 312) والشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (4/ 426)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت