وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الْكَرَاهَةُ تَحْرِيمِيَّةٌ فِي الْحَرْبِيَّةِ لاِفْتِتَاحِ بَابِ الْفِتْنَةِ، وَتَنْزِيهِيَّةٌ فِي غَيْرِهَا، لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلذُّرِّيَّةِ لِفَسَادٍ عَظِيمٍ، إِذْ أَنَّ الْوَلَدَ إِذَا نَشَأَ فِي دَارِهِمْ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَنْشَأَ عَلَى دِينِهِمْ، وَإِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ مِنْهُمْ فَقَدْ تَغْلِبُ عَلَى وَلَدِهَا فَيَتْبَعُهَا عَلَى دِينِهَا. [1]
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ أَسِيرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلاَ يَحِل لَهُ التَّزَوُّجُ مَا دَامَ أَسِيرًا، لِأَنَّهُ إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ كَانَ لَهُمْ رَقِيقًا. [2]
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: إِلَى أَنَّ الرِّبَا حَرَامٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَحُرْمَتِهِ فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، فَمَا كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الإِسْلاَمِ، كَانَ حَرَامًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، سَوَاءٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْل الْحَرْبِ، أَوْ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُهَاجِرَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّ النُّصُوصَ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا عَامَّةٌ، وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ دَارٍ وَدَارٍ، وَلاَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ [3] .
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لاَ يَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَهْل الْحَرْبِ، وَلاَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لَمْ يُهَاجِرَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. [4] لِحَدِيثِ: لاَ رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ [5]
وقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: «الرِّبَا عَلَيْهِ حَرَامٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ» وَضَعَ مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَا أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ أَوَّلُ رِبًا وَضَعَهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ
(1) - المغني 8/ 455، أسنى المطالب / 161، الخرشي 3/ 226، المبسوط م 5 ج 10/ 96، ورد المحتار 2/ 289.
(2) - المغني 8/ 455.
(3) - المجموع شرح المهذب 9/ 191، المغني 4/ 45، 8/ 458، المدونة 4/ 271.
(4) - شرح فتح القدير 6/ 177.
(5) - نصب الراية (4/ 44) والدراية في تخريج أحاديث الهداية (2/ 158) (798)
قُلْتُ: غَرِيبٌ، وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ فِي كِتَابِ السِّيَرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنَّمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا لِأَنَّ بَعْضَ الْمَشْيَخَةِ حَدَّثَنَا عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"لَا رِبَا بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ"، أَظُنُّهُ قَالَ:"وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ"، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، انْتَهَى كَلَامُهُ.