لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم. ولكنها لأنها تعلم! «حسدًا منْ عنْد أنْفسهمْ منْ بعْد ما تبيّن لهم الْحقّ» ..
والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين، ومازالت تفيض، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال. وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه، والذي أنقذهم اللّه منه بالإيمان، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود! وهنا - في اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة، وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم - هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد، والشر بالشر، ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي اللّه بأمره، وقتما يريد: «فاعْفوا واصْفحوا حتّى يأْتي اللّه بأمْره. إنّ اللّه على كلّ شيْءٍ قديرٌ» .. وامضوا في طريقكم التي اختارها اللّه لكم، واعبدوا ربكم وادخروا عنده حسناتكم: «وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة، وما تقدّموا لأنْفسكمْ منْ خيْرٍ تجدوه عنْد اللّه. إنّ اللّه بما تعْملون بصيرٌ» ..
وهكذا .. يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر، ومكمن الدسيسة ويعبىء مشاعر المسلمين تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم .. ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب اللّه ينتظرون أمره، ويعلقون تصرفهم بإذنه .. وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة. ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة .. [1]
ـــــــــــــــ
قال تعالى: {مّا يودّ الّذين كفرواْ منْ أهْل الْكتاب ولا الْمشْركين أن ينزّل عليْكم مّنْ خيْرٍ مّن رّبّكمْ واللّه يخْتصّ برحْمته من يشاء واللّه ذو الْفضْل الْعظيم} (105) سورة البقرة
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:307)