فهرس الكتاب

الصفحة 926 من 3472

لَهُمَا فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِمَا هَذَا مَعَ اعْتِضَادِهِمَا بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَشَهَادَتِهِمَا لَهُمَا.

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هِنْدٍ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ» [1]

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: «لاَ هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ، فَانْفِرُوا .. » [2]

(1) - السنن الكبرى للنسائي (8/ 67) (8658) وسنن أبي داود (3/ 3) (2479)

"لَا تَنْقَطِعُ): بِالتَّأْنِيثِ وَيُذَكَّرُ (الْهِجْرَةُ) أَيْ: مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ (حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ) أَيْ: صِحَّتُهَا بِأَنْ يُغَرْغِرَ صَاحِبُهَا. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِالْهِجْرَةِ هُنَا الِانْتِقَالَ مِنَ الْكُفْرِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَمِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ. قُلْتُ: الْأَخِيرُ تَعْمِيمٌ يَشْمَلُ الْكُلَّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُرِدِ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِأَنَّهَا انْقَطَعَتْ، وَلَا الْهِجْرَةَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا وَرَدَ: وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا لِأَنَّهَا نَفْسُ التَّوْبَةِ. قُلْتُ: لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَعْمَالَ الْكَمَالِ لَا تَنْقَطِعُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَالَ: بَلِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَانٍ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً، وَفِيهِ أَنَّ كَوْنَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مَعَ كَوْنِ خُرُوجِهِ عَنْهُ مِنَ الْإِمْكَانِ مَعْصِيَةً خَاصَّةً، وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُلَائِمُ الْغَايَةَ لِقَوْلِهِ: حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَالِاسْتِشْهَادُ بِالْآيَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ. لِأَنَّهُ نَزَلَ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ أَيْ: لَمْ تَنْقَطِعْ وُجُوبًا حَتَّى يَنْقَطِعَ قَبُولُهَا. (وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ) أَيْ: صِحَّتُهَا أَوْ قَبُولُهَا (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1625)

(2) - صحيح البخاري (3/ 15) (1834) وصحيح مسلم (2/ 986) 445 - (1353)

(لَا هِجْرَةَ) مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَفْرُوضَةً (بَعْدَ الْفَتْحِ) كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ (وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ) أَيْ بَقِيَ فَرْضُ الْجِهَادِ وَالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ، يَعْنِي الْإِخْلَاصَ فِي الْعَمَلِ الشَّامِلِ لِلْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: أَيُّ قَصْدٍ وَعَزْمٍ عَلَى إِعْلَاءِ الدِّينِ بِالْهِجْرَةِ عَنِ الْمَعَاصِي قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَتِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ انْقَطَعَتْ تِلْكَ الْهِجْرَةُ الْمَفْرُوضَةُ، فَلَا تُنَالُ بِالْهِجْرَةِ تِلْكَ الدَّرَجَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْمُهَاجِرِينَ، لَكِنْ يُنَالُ الْأَجْرُ بِالْجِهَادِ وَإِحْسَانِ النِّيَّةِ، وَأَمَّا الْهِجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ لِصَلَاحِ دِينِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ مَدَى الدَّهْرِ، وَفِي الْحَدِيثِ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ وَهُوَ إِخْبَارُهُ أَنَّ مَكَّةَ تَدُومُ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهَا هِجْرَةٌ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، أَيْ إِذَا طُلِبْتُمْ لِلنَّفْرِ وَهُوَ الْخُرُوجُ إِلَى الْجِهَادِ، وَوَقَعَ فِي أَصْلِ ابْنِ حَجَرٍ: فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ. بِالْفَاءِ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ الْمُتَعَمَّدَةِ فَتُكَلَّفَ بِقَوْلِهِ مُقَدِّرًا وَإِذَا وَجَبَ الْجِهَادُ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ فَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ (فَانْفِرُوا) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيِ اخْرُجُوا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1863)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت