لإزالة ما هو أعْظم منْه، كان له ما يبرّره، وإنّ ما فعله المشْركون من الكفْر بالله، والصّدّ عنْ سبيله، ومحاولة فتْنة المسْلمين عنْ دينهمْ بالتّعْذيب والتّهْديد، وإخراج المسْلمين منْ مكّة. كلّ ذلك أكْبر عنْد الله من القتال في الشّهْر الحرام.
وقدْ كان المشْركون يفْتنون المسْلمين عنْ دينهمْ بالتّعْذيب والإخافة ليردّوهمْ إلى الكفْر، وهذا أكْبر عنْد الله من القتْل، وهمْ ما زالوا مقيمين على الكفْر، وعلى محاولة فتْنة المسْلمين ليردّوهمْ عنْ دينهمْ إن اسْتطاعوا، وعلى محاولة منْع الإسْلام من الانْتشار والقضاء عليه، إنْ أمْكنهم ذلك، لاسْتحْكام عداوتهمْ للمسْلمين. ويهدّد الله منْ يضْعف من المسْلمين أمام هجماتهمْ، ومحاولاتهمْ وإغْراءاتهمْ فيرْتدّ عنْ دينه، ثمّ يموت وهو كافرٌ، بالعذاب الأليم الأبديّ في نار جهنّم، وبحبوط عمله في الدّنيا والآخرة [1] .
وقال السعدي:"الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم، منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ، لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم، بل أكبر مزاياها، تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم، كما يجوز في البلد الحرام."
ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل، لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم، وكان ذلك - على ما قيل - في شهر رجب، عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال تعالى في بيان ما فيهم: {وصدٌّ عنْ سبيل اللّه} أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتهم من آمن به، وسعيهم في ردهم عن دينهم، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام، والبلد الحرام، الذي هو بمجرده، كاف في الشر، فكيف وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟! {وإخْراج أهْله} أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة، فأخرجوهم {منْه} ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:224، بترقيم الشاملة آليا)