الْحال، وإنْ كان الْمراد وهمْ يصلّون فقدْ دلّتْ على إباحتها في سائر أحْوال الصّلاة; فكيْفما تصرّفتْ الْحال فالْآية دالّةٌ على إباحة الصّدقة في الصّلاة.
فإنْ قال قائلٌ: فالْمراد أنّهمْ يتصدّقون ويصلّون، ولمْ يردْ به فعْل الصّدقة في الصّلاة. قيل له: هذا تأْويلٌ ساقطٌ، منْ قبل أن قوله تعالى {وهمْ راكعون} إخْبارٌ عنْ الْحال الّتي تقع فيها الصّدقة، كقوْلك: تكلّم فلانٌ وهو قائمٌ، وأعْطى فلانًا وهو قاعدٌ، إنّما هو إخْبارٌ عنْ حال الْفعْل وأيْضًا لوْ كان الْمراد ما ذكرْت، كان تكْرارًا لما تقدّم ذكْره في أوّل الخطاب. قوله تعالى: {الّذين يقيمون الصّلاة} ويكون تقْديره:"الّذين يقيمون الصّلاة ويصلّون"وهذا لا يجوز في كلام اللّه تعالى فثبت أنّ الْمعْنى ما ذكرْنا منْ مدْح الصّدقة في حال الرّكوع أوْ في حال الصّلاة وقوله تعالى: {ويؤْتون الزّكاة وهمْ راكعون} يدلّ على أنّ صدقة التّطوّع تسمّى زكاةً لأنّ عليًّا تصدّق بخاتمه تطوّعًا وهو نظير قوْله تعالى: {وما آتيْتمْ منْ زكاةٍ تريدون وجْه اللّه فأولئك هم الْمضْعفون} [الروم:39] انْتظم صدقة الْفرْض والنّفل فصار اسْم الزّكاة يتناول الْفرْض والنّفل كاسْم الصّدقة وكاسْم الصّلاة ينْتظم الأمرين. [1]
وقال تعالى: {يسْألونك عن الشّهْر الْحرام قتالٍ فيه قلْ قتالٌ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل اللّه وكفْرٌ به والْمسْجد الْحرام وإخْراج أهْله منْه أكْبر عند اللّه والْفتْنة أكْبر من الْقتْل ولا يزالون يقاتلونكمْ حتّى يردّوكمْ عن دينكمْ إن اسْتطاعواْ ومن يرْتددْ منكمْ عن دينه فيمتْ وهو كافرٌ فأوْلئك حبطتْ أعْمالهمْ في الدّنْيا والآخرة وأوْلئك أصْحاب النّار همْ فيها خالدون} (217) سورة البقرة
بعث الرسول صلى الله عليه وسلم عبْد الله بْن جحْشٍ على سريّةٍ وأمرها بأمْرٍ، فلقيت السّريّة ابْن الحضْرميّ فقتلتْه، ولمْ يعْرفْ رجال السّريّة إنْ كان ذلك اليوْم منْ رجبٍ أوْ منْ جمادى الآخرة، فقال المشْركون للْمسْلمين: قتلْتمْ في الشّهْر الحرام، فأنْزل الله هذه الآية. وفيها يقول سبْحانه للْمشْركين: إنّ القتال في الشّهر الحرام أمْرٌ كبير في نفْسه، وجرْمٌ عظيمٌ، ولكنّه إذا ارتكب
(1) - أحكام القرآن للجصاص ط العلمية (2/ 556)