حقيقة في الباقي وهو حجة بلا شبهة فيه وفي المستقل كلاما أو غيره مجاز بطريق إطلاق اسم الكل على البعض من حيث القصر حقيقة من حيث التناول وهو حجة فيه
ـــــــ
الأختين لما حرم نكاحا وهو سبب مفض إلى الوطء، فلأن يحرم وطئا بملك اليمين أولى، فاعترض بأن هذا حينئذ لا يعارض النص المبيح؛ لأنه بطريق العبارة، وأجيب بأنه قد خصت من المبيح الأمة المجوسية، والأخت من الرضاعة، وأخت المنكوحة فلم يبق قطعيا فيعارضه النص المحرم، وإن كان بطريق الدلالة فأشار المصنف إلى أن تحريم الأختين وطئا بملك اليمين ثبت أيضا بالعبارة؛ لأن قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا} في معنى مصدر معرف بالإضافة أو اللام أي: جمعكم أو الجمع بين الأختين سواء كان في النكاح، أو في الوطء بملك اليمين.
قوله:"في مقدار ما تناوله الآيتان"؛ لأن أولات الأحمال لا يتناول المتوفى عنها زوجها الغير الحامل: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} أي: أزواج الذين يتوفون لا يتناول الحامل المطلقة فقوله: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ} باعتبار إيجاب عدة الحامل المطلقة بوضع الحمل لا يكون ناسخا وقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ} باعتبار إيجاب عدة غير الحامل بأربعة أشهر وعشر لا يكون منسوخا.
قوله:"لكن عند الشافعي رحمه الله"قد سبق أن القائلين بأن العام يوجب الحكم فيما يتناوله منهم من ذهب إلى أن موجبه ظني، ومنهم من ذهب إلى أنه قطعي بمعنى أنه لا يحتمل الخصوص احتمالا ناشئا عن الدليل تمسك الفريق الأول بأن كل عام يحتمل التخصيص، والتخصيص شائع فيه كثير بمعنى أن العام لا يخلو عنه إلا قليلا بمعونة القرائن كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران:109] حتى صار بمنزلة المثل أنه ما من عام إلا وقد خص منه البعض، وكفى بهذا دليلا على الاحتمال، وهذا بخلاف احتمال الخاص المجاز فإنه ليس بشائع في الخاص شيوع التخصيص في العام حتى ينشأ عنه احتمال المجاز في الخاص، فإن قيل، بل لا معنى لاحتمال المجاز عند عدم القرينة المانعة؛ لأن وجود القرينة المانعة عن إرادة الموضوع له مأخوذ في تعريف المجاز. قلنا احتمال القرينة كاف في احتمال المجاز وهو قائم، إذ لا قطع بعدم القرينة إلا نادرا، ولما كان المختار عند المصنف أن موجب العام قطعي استدل على إثباته أولا وعلى بطلان مذهب المخالف ثانيا وأجاب عن تمسكه ثالثا. أما الأول فتقريره أن اللفظ إذا وضع لمعنى كان ذلك المعنى لازما ثابتا بذلك اللفظ عند إطلاقه حتى يقوم الدليل على خلافه والعموم مما وضع له اللفظ فكان لازما قطعا حتى يقوم دليل الخصوص كالخاص يثبت مسماه قطعا حتى يقوم دليل المجاز. وأما الثاني فتقريره أنه لو جاز إرادة بعض مسميات العام من غير قرينة لارتفع الأمان عن اللغة؛ لأن كل ما وقع في كلام العرب من الألفاظ العامة يحتمل الخصوص فلا يستقيم ما يفهم السامعون من العموم وعن الشارع؛ لأن عامة خطابات الشرع عامة فلو جوزنا إرادة البعض من غير قرينة لما صح منا فهم الأحكام بصيغة العموم ولما استقام منا الحكم بعتق جميع عبيد من قال كل عبد لي فهو حر، وهذا يؤدي إلى التلبيس على السامع وتكليفه بالمحال، فإن قيل لما لم يكلفنا الله ما ليس في الوسع سقط اعتبار الإرادة الباطنة في حق العمل فلزمنا العمل بالعموم الظاهر لكنها بقيت في حق العلم فلم يلزمنا الاعتقاد القطعي، ومع القول