فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 865

ولا شك أن الأحكام التي تثبت بصريح الوحي بالنسبة إلى الحوادث الواقعة قليلة غاية القلة فلو لم يعلم أحكام تلك الحوادث من الوحي الصريح وبقيت أحكامها مهملة لا يكون الدين كاملا فلا بد من أن يكون للمجتهدين ولاية استنباط أحكامها من الوحي, فإن استنبط المجتهدون في عصر حكما, واتفقوا عليه يجب على أهل ذلك العصر قبوله فاتفاقهم صار بينة على ذلك الحكم فلا يجوز بعد ذلك مخالفتهم لقوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وقوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} وأيضا قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} الآية. يدل على وجوب اتباع كل قوم طائفته المتفقهة فإن اتفق الطوائف على حكم لم يوجد فيه وحي صريح وأمروا أقوامهم به يجب قبوله فاتفاقهم صار بينة على الحكم فلا يجوز المخالفة بعد ذلك; لما ذكرنا. وأيضا قوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فأولوا الأمر إن كانوا هم المجتهدين فإذا اتفقوا على أمر لم يوجد فيه صريح الوحي يجب إطاعتهم, وإن

قوله:"فأنا أذكر"قد ذكر المصنف رحمه الله مما سنح له قطعية الإجماع ستة أوجه. حاصل الأول: أن الله تعالى حكم بإكماله دين الإسلام, فيجب أن لا يكون شيء من أحكامه مهملا ولا شك أن كثيرا من الحوادث مما لم يبين بصريح الوحي, فيجب أن يكون مندرجا تحت الوحي بحيث لا يصل إليه كل أحد, وحينئذ إما أن لا يمكن للأمة استنباطه وهو باطل إذ لا فائدة في الإدراج أو يمكن لغير المجتهدين منهم خاصة, وهو باطل بالضرورة فتعين استنباطه للمجتهدين وحينئذ إما أن يستنبطه قطعا ويقينا كل مجتهد وهو أيضا باطل لما بينهم من الاختلاف, أو جميع المجتهدين إلى يوم القيامة, وهو أيضا باطل لعدم الفائدة فتعين استنباط جمع من جميع المجتهدين, ولا دلالة على تعيين عدد معين من الأعصار, فيجب أن يعتبر عصر واحد وحينئذ لا ترجيح للبعض على البعض فتعين اعتبار جميع المجتهدين في عصر واحد فيكون اتفاقهم بيانا للحكم وبينة عليه فيجب اتباعه للآيات الدالة على وجوب اتباع البينة هذا غاية تقرير هذا الكلام. ولقائل أن يقول: وجوب الاتباع لا يستلزم القطع, وأيضا ما ذكر لا يدل على حجية إجماع مجتهدي كل عصر لجواز أن يكون الحكم المندرج في الوحي مما يطلع عليه واحد أو جماعة من المجتهدين في عصر آخر قبله أو بعده, وأيضا إكمال الدين هو التنصيص على قواعد العقائد, والتوقيف على أصول الشرائع, وقوانين الاجتهاد لإدراج حكم كل حادثة في القرآن والمصنف رحمه الله تعالى جعل القضايا المتفق عليها نوعين: أحدهما: ما اتفق عليه جميع الناس. والثاني: ما اتفق عليه المجتهدون من أمة محمد عليه الصلاة والسلام في عصر, وظاهر أنها لا تنحصر في ذلك; لأن ما لم يتفق عليها جميع الناس بل بعضهم أقسام كثيرة لا يدخل تحت الحصر ثم ذكر في النوع الأول تطويلا وتفصيلا لا دخل له في المقصود إلا بيان أن ما اتفق عليه المجتهدون في عصر يجب على ذلك العصر قبوله كما أن المتفق عليها بين الجميع يجب قبولها, وثبوتها في نفس الأمر بمنزلة المتواترات والمجربات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت