فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 759

وهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله، ويحصر اللسان عن التعبير عنه. وأعرف خلق اللّه به أنبياؤه ورسله، وأعرفهم به خاتمهم وأفضلهم، وأمّته في العلم به على مراتبهم ودرجاتهم ومنازلهم، من العلم باللّه وبأسمائه وصفاته، وهو سبحانه قد أحاط علما بذلك كله، قبل السموات والأرض، وقدّره وكتبه عنده، ثم يأمر ملائكته بكتابة ذلك من الكتاب الأول، قبل خلق العبد، فيطابق حاله وشأنه لما كتب في الكتاب ولما كتبته الملائكة، لا يزيد شيئا ولا ينقص مما كتبه سبحانه وأثبته عنده، كان في علمه قبل أن يكتبه، ثم كتبه كما في علمه، ثم وجد كما كتبه قال تعالى أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) [الحج] .

واللّه سبحانه قد علم، قبل أن يوجد عباده، أحوالهم وما هم عاملون وما هم إليه صائرون، ثم أخرجهم إلى هذه الدار، ليظهر معلومه الذي علمه فيهم كما علمه، وابتلاهم من الأمر والنهي والخير والشر بما أظهر معلومه، فاستحقوا المدح والذم والثواب والعقاب، بما قام بهم من الأفعال والصفات المطابقة للعلم السابق، ولم يكونوا يستحقون ذلك، وهي في علمه قبل أن يعملوها، فأرسل رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه إعذارا إليهم وإقامة للحجة عليهم لئلا يقولوا: كيف تعاقبنا على علمك فينا، وهذا لا يدخل تحت كسبنا وقدرتنا؟! فلما ظهر علمه فيهم بأفعالهم، حصل العقاب على معلومه الذي أظهره الابتلاء والاختبار، وكما ابتلاهم بأمره ونهيه، ابتلاهم بما زيّن لهم من الدنيا وبما ركّب فيهم من الشهوات، فذلك ابتلاء بشرعه وأمره، وهذا ابتلاء بقضائه وقدره، وقال تعالى إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) [الكهف] وقال وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ (7) [هود] .

فأخبر في هذه الآية أنه خلق السموات والأرض ليبتلي عباده بأمره ونهيه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت