فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 759

وهذا من الحق الذي خلق به خلقه، وأخبر في الآية التي قبلها أنه خلق الموت والحياة ليبتليهم أيضا، فأحياهم ليبتليهم بأمره ونهيه، وقدّر عليهم الموت الذي ينالون به عاقبة ذلك الابتلاء من الثواب والعقاب، وإن خبّر في الآية الأولى أنه زين لهم ما على الأرض، ليبتليهم به، أيهم يؤثر ما عنده عليه، وابتلا بعضهم ببعض، وابتلاهم بالنعم والمصائب، فأظهر هذا الابتلاء علمه السابق فيهم موجودا عيانا، بعد أن كان غيبا في علمه، فابتلى أبوي الإنس والجن كلا منهما بالآخر، فأظهر ابتلاء آدم ما علمه منه، وأظهر ابتلاء إبليس ما علمه منه، فلهذا قال للملائكة إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) [البقرة] واستمر هذا الابتلاء في الذرية إلى يوم القيامة فابتلى الأنبياء بأممهم، وابتلى أممهم بهم، وقال لعبده ورسوله وخليله: إني مبتليك ومبتل بك، وقال وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35) [الأنبياء] وقال وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً (20) [الفرقان] .

وفي الحديث الصحيح أن ثلاثة أراد اللّه أن يبتليهم: أبرص وأقرع وأعمى، فأظهر الابتلاء حقائقهم التي كانت في علمه قبل أن يخلقهم، فأما الأعمى فاعترف بإنعام اللّه عليه، وأنه كان أعمى فقيرا فأعطاه اللّه البصر والغنى، وبذل للسائل ما طلبه شكرا للّه. وأما الأقرع والأبرص فكلاهما جحدا ما كان عليه قبل ذلك، من سوء الحال والفقر، وقال في الغنى: إنما أوتيته كابرا عن كابرا «1» .

وهذا حال أكثر الناس، لا يعترف بما كان عليه أولا، من نقص أو جهل وفقر وذنوب، وأن اللّه سبحانه نقله من ذلك إلى ضدّ ما كان عليه، وأنعم بذلك عليه، ولهذا ينبه سبحانه الإنسان على مبدأ خلقه الضعيف، من الماء

(1) رواه البخاري (3464) ، ومسلم (2964) عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت