قد تقدم أن القدر لا شر فيه، بوجه من الوجوه، فإنه علم اللّه وقدرته وكتابه ومشيئته، وذلك خير محض وكمال من وجه، فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وإنما يدخل الشرّ الجزئي الإضافي في المقضي المقدر، ويكون شرا بالنسبة إلى محل، وخيرا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شرّ له من وجه، بل هذا هو الغالب، وهذا كالقصاص وإقامة الحدود وقتل الكفار، فإنه شر بالنسبة إليهم لا من كلّ وجه، بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر والنكال ودفع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الآلام والأمراض، وإن كانت شرورا من وجه، فهي خيرات من وجوه عديدة، وقد تقدم تقرير ذلك. فالخير والشر من جنس اللذة والألم والنفع والضرر، وذلك في المقضي المقدر، لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه، فعدل، خير وحكمة ومصلحة، كما يأتي في الباب الذي بعد هذا، إن شاء اللّه.