فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 759

وليس ذلك إلا للمؤمن» «1» فالقضاء كلة خير لمن أعطي الشكر والصبر جالبا ما جلب. وكذلك ما فعله بآدم وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى اللّه تعالى عليهم وسلم، من الأمور التي هي في الظاهر محن وابتلاء، وهي في الباطن طرق خفية، أدخلهم بها إلى غاية كمالهم وسعادتهم.

فتأمل قصة موسى وما لطف له من إخراجه في وقت ذبح فرعون للأطفال، ووحيه إلى أمه أن تلقيه في اليمّ، وسوقه بلطفه إلى دار عدوه الذي قدّر هلاكه على يديه، وهو يذبح الأطفال في طلبه، فرماه في بيته وحجره، على فراشه، ثم قدر له سببا أخرجه من مصر، وأوصله به إلى موضع، لا حكم لفرعون عليه، ثم قدّر له سببا أوصله به إلى النكاح والغنى بعد العزوبة والعيلة، ثم ساقه إلى بلد عدوه، فأقام عليه به حجته، ثم أخرجه وقومه في صورة الهاربين الفارين منه، وكان ذلك عين نصرتهم على أعدائهم وإهلاكهم وهم ينظرون.

وهذا كله مما يبين أنه سبحانه يفعل ما يفعله، لما يريده من العواقب الحميدة والحكم العظيمة التي لا تدركها عقول الخلق، مع ما في ضمنها من الرحمة التامة والنعمة السابغة والتعريف إلى عباده بأسمائه وصفاته، فكم في أكل آدم، من الشجرة التي نهي عنها، وإخراجه بسببها من الجنة، من حكمة بالغة، لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها، وكذلك ما قدّره لسيد ولده من الأمور التي أوصله بها إلى أشرف غاياته وأوصله بالطرق الخفية فيها إلى أحمد العواقب، وكذلك فعله بعباده وأوليائه، يوصل إليهم نعمه، ويسوقهم إلى كمالهم وسعادتهم في الطرق الخفية التي لا يهتدون إلى معرفتها إلا إذا لاحت لهم عواقبها.

(1) رواه مسلم (2999) عن صهيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت