فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 759

إلا كما نقص هذا العصفور من البحر. ويكفي أن ما يتكلم به من علمه، لو قدّر أن البحر، يمدّه من بعده سبعة أبحر، مداد، وأشجار الأرض كلها، من أول الدهر إلى آخره، أقلام يكتب به ما يتكلم به مما يعلمه، لنفذت البحار وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلماته، فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم إلى قدرته، وغناهم إلى غناه وحكمتهم إلى حكمته.

وإذا كان أعلم الخلق به على الإطلاق يقول: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» «1» .

ويقول في دعاء الاستخارة: فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب «2» . ويقول سبحانه للملائكة: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) [البقرة] ويقول سبحانه لأعلم الأمم، وهم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) [البقرة] ويقول لأهل الكتاب: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) [الإسراء] وتقول رسله يوم القيامة حين يسألهم ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) [المائدة] .

وهذا هو الأدب المطابق للحقّ في نفس الأمر، فإن علومهم وعلوم الخلائق تضمحل وتتلاشى في علمه سبحانه، كما يضمحل ضوء السراج الضعيف في عين الشمس، فمن أظلم الظلم وأبين الجهل وأقبح القبيح وأعظم القحة والجراءة، أن يعترض من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس، التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل، التي لا نسبة لها إلى علم ربّ العالمين، عليه ويقدح في حكمته، ويظن أنّ الصواب والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمه وسبق به علمه، وأن يكون الأمر بخلاف ذلك. فسبحان اللّه رب العالمين

(1) رواه مسلم (486) عن عائشة.

(2) مر سابقا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت