فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 759

كيف اعترف بأنه لا خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أوّلهم إلى آخرهم، وإبطال جميع الكتب المنزلة من عند اللّه، ومخالفة صريح العقل في أنّ الخالق العالم سبحانه مريد مختار، ما شاء كان بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته، وأنه ليس في الكون شي ء حاصل بدون مشيئته البتة، فأقرّ على نفسه أنه لا خلاص له في تلك الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل القائلين بأنّ اللّه لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام، ولا أوجد العالم بعد عدمه، ولا يفنيه بعد إيجاده وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته، فلم يكن مختارا مريدا للعالم، وليس عنده إلا هذا القول، أو قول الجبرية منكري الأسباب والحكم والتعليل، أو قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع إلى الفاعل، وأوجبوا رعاية مصالح، شبّهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له بعقولهم شريعة، أوجبوا عليه فيها، وحرموا، وحجروا عليه.

فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره، وتتقاذف به أمواجها تقاذف السفينة إذا لعبت بها الرياح الشديدة، والعاقل لا يرضى لنفسه بواحد من هذه الأقوال، لمنافاتها العقل والنقل والفطرة، والقول الحق في هذه الأقوال كيوم الجمعة في الأيام، أضلّ اللّه عنه أهل الكتابين قبل هذه الأمة، وهداهم إليه كما قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الجمعة: «أضلّ اللّه عنها من كان قبلنا فاليوم لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى» «1» ، ونحن هكذا نقول بحمد اللّه ومنّه القول الوسط الصواب لنا، وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء الرسل، وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية، وإنكار عموم القدرة والمشيئة العائدة إلى الرب سبحانه، من محبته وكراهته وموجب حمده ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية، ونحن نبرأ إلى

(1) هذا القول مأخوذ من حديثين، الأول: رواه مسلم (856) عن أبي هريرة وحذيفة، والآخر: رواه البخاري (876) ، ومسلم (855) عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت