فهرس الكتاب

الصفحة 459 من 759

فصل

ونحن نذكر أصولا مهمة نبيّن بها جواب هذه الأسئلة، وقد اعترف كثير من المتكلمين ممن له نظر في الفلسفة والكلام أنه لا يمكن الجواب عنها إلا بالتزام القول بالموجب بالذات، أو القول بإبطال الحكمة والتعليل، وأنه سبحانه لا يفعل شيئا لشي ء، ولا يأمر بشي ء لحكمة، ولا جعل شيئا من الأشياء سببا لغيره، وما ثمّ إلا مشيئة محضة وقدرة ترجّح مثلا على مثلا، بلا سبب ولا علّة، وأنه لا يقال في فعله: لم، ولا كيف، ولا لأيّ سبب وحكمة. ولا هو معلّل بالمصالح.

قال الرازيّ في مباحثه: فإن قيل: فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عريّة عن كل الشرور؟ فنقول: لأنه لو جعلها كذلك، لكان هذا هو القسم الأول، وذلك مما خرج عنه، يعني: كان ذلك هو القسم آخر، وهو الذي هو خير محض، لا شر فيه. قال: وبقي في الفعل قسم آخر، وهو الذي يكون خيره غالبا على شره، وقد بيّنا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودا، قال: وهذا الجواب لا يعجبني، لأن لقائل أن يقول: إنّ جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار اللّه سبحانه وإرادته، فالاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجبا عن النار، بل اللّه اختار خلقه عقيب مماسّة النار، وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار باختيار اللّه وإرادته، فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عند ما يكون خيرا، ولا يختار خلقه عند ما يكون شرا، ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه فاعلا بالذات، لا بالقصد والاختيار.

ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث، فانظر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت