فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 759

العلوي، سلّمنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه، فأي خير ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه، إبليس؟ وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر، وأي خير يغلب في نشأة يكون فيها تسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة، وأي خير غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة، حتى جرى على الأولاد ما جرى؟ ولو داما في الجنة لارتفع الشّرّ بالكلية، وإذا كان قد خلقهم لعبادته، فكيف اقتضت حكمته أن صرف البهم عنا، ووفّق لها الأقل من الناس، وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي، وأي خير في إيلام غير المكلّفين كالأطفال والمجانين؛ فإن قلتم: فائدته التعويض، انتقض عليكم بإيلام البهائم، ثم وأيّ خير في خلق الدجال وتمكينه من الظهور والافتنان به؟ وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك، فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب؟ وأي خير في السحر، وما يترتب عليه من المفاسد والمضار؟

وأي خير في إلباس الخلق شيعا، وإذاقة بعضهم بأس بعض؟ وأي خير في خلق السموم وذات السموم والحيوانات العادية المؤذية بطبعها؟ وأي خير في خراب هذه البنية بعد خلقها في أحسن تقويم، وردّها إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها، وكذلك خراب هذا الدار ومحو أثرها؟ فإن كان وجود ذلك خيرا غالبا، فإبطاله إبطال للخير الغالب، دع هذا كلّه، فأيّ خير راجح أو مرجوح في النار، وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر، ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسد باب الحكم والتعليل، وإسناد الكون إلى محض المشيئة، أو القول بالإيجاب الذاتي، وأن الرب لا يفعل باختياره ومشيئته، وهذه الأسئلة إنما ترد على من يقول بالفاعل المختار، فلهذا لجأ القائلون إلى إنكار التعليل جملة، فاختاروا أحد المذهبين، وتحيّزوا إلى إحدى الفئتين، وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت