فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 759

حقيقة، بل هو العدم المحض.

فإن قيل: فإبليس شرّ محض، والكفر والشرك كذلك، وقد دخلوا في الوجود، فأيّ خير في إبليس، وفي وجود الكفر؟.

قيل: في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات، التي ترتبت على وجوده، ما لا يعلمه إلا اللّه، كما سننبه على بعضه، فاللّه سبحانه لم يخلقه عبثا، ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم، فكم للّه في خلقه من حكمة باهرة، وحجة قاهرة، وآية ظاهرة، ونعمة سابغة، وهو إن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان، ففي إيجاد السموم من المصالح والحكم ما هو خير من تفويتها، وأما الذي لا خير فيه ولا شرّ، فلا يدخل أيضا في الوجود، فإنه عبث، فتعالى اللّه عنه، وإذا امتنع وجود هذا القسم في الوجود، فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع، ومن تأمل هذا الوجود، علم أنّ الخير فيه غالب، وأنّ الأمراض، وإن كثرت، فالصحة أكثر منها، واللذات أكثر من الآلام، والعافية أعظم من البلاء، والغرق والحرق والهدم ونحوها، وإن كثرت، فالسلامة أكثر، ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب، لأجل ما يعرض فيه من الشر، لفات الخير الغالب، وفوات الخير الغالب، شرّ غالب، ومثال ذلك النار، فإنّ في وجودها منافع كثيرة، وفيها مفاسد، لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها، لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها، وكذلك المطر والرياح والحر والبرد، وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرّها، ولكن خيرها غالب. وأما العالم العلوي فبري ء من ذلك.

فإن قيل: فهلّا خلق الخلاق الحكيم هذه خالية من الشر، بحيث تكون خيرات محضة، فإن قلتم: اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجا فيه اللذة بالألم والخير بالشر، فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شر كالعالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت