فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 759

وفعله تقدير للّه من أدلة خلق مقضي.

ونحن نضرب في ذلك مثلا شرعيا، يستروح إليه الناظر في ذلك، فنقول:

العبد لا يملك أن يتصرف في مال سيده، ولو استبد بالتصرف فيه، لم ينفذ تصرفه، فإذا أذن له في بيع ماله، فباعه، نفذ، والبيع في التحقيق معزوّ إلى السيد من حيث إن سببه إذنه، ولو لا إذنه لم ينفذ التصرف، ولكن العبد يؤمر بالتصرف، وينهى، ويوبّخ على المخالفة ويعاقب، فهذا واللّه الحق الذي لا غطاء دونه، ولا مراء فيه لمن وعاه حقّ وعيه.

وأما الفرقة الضالة فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق، ثم صاروا إلى أنه إذا عصى، فقد انفرد بخلق فعله، والربّ كاره له، فكان العبد على هذا الرأي الفاسد مزاحما لربه في التدبير، موقعا ما أراد إيقاعه، شاء الرب أو كره.

فإن قيل: على ما ذا تحملون آيات الطبع والختم والإضلال في القرآن، وهي متضمنة اضطرار الرب سبحانه للأشقياء إلى ضلالتهم؟.

قلنا: إذا أباح اللّه حل هذا الإشكال، والجواب عن هذا السؤال، لم يبق على ذوي البصائر بعده غموض، فنقول: أولا من أنبأ اللّه سبحانه عن الطبع على قلوبهم، كانوا مخاطبين بالإيمان، مطالبين بالإسلام والتزام الأحكام مطالبة تكليف ودعاء، مع وصفهم بالتمكن والاقتدار والإيثار، كما سبق تقريره، ومن اعتقد أنهم كانوا ممنوعين مأمورين مصدودين قهرا، مدعوين، فالتكليف عنده إذا بمثابة ما لو شدّ من الرجل يداه ورجلاه رباطا، وألقي في البحر، ثم قيل له: لا تبتل، وهذا أمر لا يحمل شرائع الرسل عليه إلا عائب بنفسه مجترئ على ربه، ولا فرق عند هذا القائل بين أمر التسخير والتكوين في قوله: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166) [الأعراف] وقوله: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت