فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 759

شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) [يس] وبين أمر التكليف، فإذا بطل ذلك، فالوجه في الكلام على هذه الآي، وقد غوى في حقائقها أكثر الفرق، أن يقول: إذا أراد اللّه بعبد خيرا أكمل عقله، وأتمّ بصيرته، ثم صرف عنه العوائق والدوافع، وأزاح عنه الموانع، ووفق له قرناء الخير، وسهّل له سبله، وقطع عنه الملهيات وأسباب الغفلات، وقيض له ما يقر به إلى القربات، فيوافيها، ثم يعتادها ويمرن عليها.

وإذا أراد اللّه بعبده شرا، قدّر له ما يبعده عن الخير، ويقصيه، وهيأ له أسباب تماديه في الغي، وحبب إليه التشوّف إلى الشهوات، وعرّضه للآفات، وكلما غلبت عليه دواعي النفس، خنست دواعي الخير، ثم يستمر على الشرور على مر الدهور، ويأتي مهاويها ويتعاون عليه الوسواس ونزغات الشيطان ونزفات النفس الأمّارة بالسوء، فتنسج الغفلة على قلبه غشاوة بقضاء اللّه وقدره، فذلكم الطبع والختم والأكنّة.

وأنا أضرب في ذلك مثلا، فأقول: لو فرضنا شابا حديث العهد بحلمه، لم تهذبه المذاهب، ولم تحنكه التجارب، وهو على نهاية في غلمته وشهوته، وقد استمكن من بلغة من الحطام، وخصّ بمسحة من الجمال، ولم يقم عليه قوّام يزعه عن ورطات الردى، ويمنعه عن الارتباك في شبكات الهوى، ووافاه أخدان الفساد، وهو في غلواء شبابه، يحدّث نفسه بالبقاء أمدا بعيدا، فما أقرب من هذا وصفه من خلع العذار والبدار إلى شيم الأشرار، وهو مع ذلك كله مؤثر مختار، ليس مجبرا على المعاصي والزلات، ولا مصدودا عن الطاعات، ومعه من العقل ما يستوجب به اللائمة إذا عصى.

فمن هذا سبيله لا يستحيل في العقل تكليفه، فإنه ليس ممنوعا، ولكن إن سبق له من اللّه سوء القضاء، فهو صائر إلى حكم اللّه الجزم وقضائه الفصل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت