فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 759

الاستبداد، وبين أن يخرج نفسه عن كونه مطالبا بالشرائع، وفيه إبطال دعوة المرسلين، وبين أن يثبت نفسه شريكا للّه في إيجاد الفعل الواحد، وهذه الأقسام بجملتها باطلة، ولا ينجي من هذه الملتطم ذكر اسم محض ولقب مجرد، من غير تحصيل معنى، وذلك أن قائلا لو قال: العبد يكتسب، وأثر قدرته الاكتساب، والرب سبحانه خالق لما العبد مكتسب له، قيل: فما الكسب، وما معناه؟ وأديرت الأقسام المتقدمة على هذا القائل، فلا يجد عنه مهربا، ثم قال: فنقول: قدرة العبد مخلوقة للّه تعالى باتفاق القائلين بالصانع، والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعا، ولكنه يضاف إلى اللّه سبحانه تقديرا وخلقا، فإنه وقع بفعل اللّه وهو القدرة فعلا للعبد، وإنما هي صفته، وهي ملك للّه وخلق له، فإذا كان موقع الفعل خلقا للّه، فالواقع به مضاف خلقا إلى اللّه تعالى وتقديرا، وقد ملك اللّه تعالى العبد اختيارا، يصرّف به القدرة، فإذا أوقع بالقدرة شيئا، آل الواقع إلى حكم اللّه من حيث أنه وقع بفعل اللّه، ولو اهتدت إلى هذا الفرقة الضالة، لم يكن بيننا وبينهم خلاف، ولكنهم ادعوا استبدادا بالاختراع وانفرادا بالخلق والابتداع، فضلوا وأضلوا.

وتبين تميزنا عنهم بتفريع المذهبين، فإنّا لما أضفنا فعل العبد إلى تقدير الإله سبحانه، قلنا: أحدث اللّه تعالى القدرة في العبد على أقدار، أحاط بها علمه، وهيأ أسباب الفعل، وسلب العبد العلم بالتفاصيل، وأراد من العبد أن يفعل، فأحدث فيه دواعي مستحثة وخيرة وإرادة، وعلم أن الأفعال ستقع على قدر معلوم، فوقعت بالقدرة التي اخترعها العبد على ما علم، وأراد، فاختيارهم واتصافهم بالاقتداء والقدرة خلق اللّه ابتداء، ومقدورها مضاف إليه مشيئة وعلما وقضاء وخلقا من حيث إنه نتيجة ما انفرد بخلقه، وهو القدرة، ولو لم يرد وقوع مقدورها لما أقدره عليه، ولما هيأ أسباب وقوعه، ومن هدي لهذا استمر له الحق المبين، فالعبد فاعل مختار مطالب مأمور منهي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت