فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 759

استراب في أنّ أفعال العباد واقعة على حسب إيثارهم واختيارهم واقتدارهم، فهو مصاب في عقله أو مستقر على تقليده، مصمم على جهله، ففي المصير إليه أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع، والتكذيب بما جاء به المرسلون.

فإن زعم من لم يوفّق لمنهج الرشاد أنه لا أثر لقدرة العبد في مقدوره أصلا، وإذا طولب بمتعلق طلب اللّه بفعل العبد تحريما وفرضا، ذهب في الجواب طولا وعرضا، وقال: للّه أن يفعل ما يشاء، ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قيل له: ليس لما جئت به حاصل، كلمة حقّ أريد بها باطل، نعم يفعل اللّه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكن يتقدس عن الخلف ونقيض الصدق، وقد فهمنا بضرورات المعقول من الشرع المنقول أنه، عزّت قدرته، طالب عباده بما أخبر أنهم ممكّنون من الوفاء به، فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوسع في موارد الشرع، ومن زعم أنه لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها، كما لا أثر للعلم في معلومه، فوجه مطالبة العبد بأفعاله عنده كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألوانا، وإدراكات، وهذا خروج عن حد الاعتدال إلى التزام الباطل والمحال، وفيه إبطال الشرع ورد ما جاء به النبيون، فإذا لزم المصير بأن القدرة الحادثة تؤثر في مقدورها، واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق أعماله، فإن فيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة، واقتحام ورطات الضلال، ولا سبيل إلى المصير إلى وقوع فعل العبد بقدرته الحادثة والقدرة القديمة، فإن الفعل الواحد يستحيل حدوثه بقادرين، إذ الواحد لا ينقسم، فإن وقع بقدرة اللّه استقل بها، وأسقط أثر القدرة الحادثة، ويستحيل أن يقع بعضه بقدرة اللّه تعالى، فإن الفعل الواحد لا بعض له.

وهذه مهواة لا يسلم من غوائلها إلا مرشد موفق، إذ المرء بين أن يدّعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت