فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 759

وقوله: فاصرفه عني، واصرفني عنه، صريح في أنه سبحانه هو الذي يصرف عبده عن فعله الاختياري، إذا شاء صرفه عنه، كما قال تعالى في حق يوسف الصديق كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ (24) [يوسف] وصرف السوء والفحشاء هو صرف دواعي القلب وميله إليهما، فينصرفان عنه بصرف دواعيهما.

وقوله: واقدر لي الخير حيث كان، يعم الخير المقدور للعبد من طاعته وغير المقدور له، فعلم أن فعل العبد للطاعة والخير أمر مقدور للّه، إن لم يقدره اللّه لعبده، لم يقع من العبد.

ففي هذا الحديث الشفاء في مسألة القدر، وأمر النبيّ صلى اللّه تعالى عليه وسلم الداعي به أن يقدّم بين يدي هذا الدعاء ركعتين عبودية منه بين يدي نجواه، وأن يكونا من غير الفريضة، ليتجرّد فعلهما لهذا الغرض المطلوب، ولما كان الفعل الاختياري متوقفا على العلم والقدرة والإرادة، لا يحصل إلا بها، توسّل الداعي إلى اللّه بعلمه وقدرته وإرادته التي يؤتيه بها من فضله، وأكد هذا المعنى بتجرده وبراءته من ذلك، فقال: إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر. وأمر الداعي أن يعلّق التيسير بالخير، والصرف بالشر، وهو علم اللّه سبحانه تحقيقا للتفويض إليه واعترافا بجهل العبد بعواقب الأمور، كما اعترف بعجزه، ففي هذا الدعاء إعطاء العبودية حقها وإعطاء الربوبية حقها، وباللّه المستعان.

وفي الترمذي «1» وغيره من حديث الحسن بن علي قال: علّمني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: «اللّهمّ اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما

(1) الترمذي (464) وهو صحيح من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت