فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 759

الجود، لكانت نسبته إلى جوده دون نسبة قطرة إلى البحر، وكذلك علم الخلائق إذا نسب إلى علمه، كان كنقرة عصفور من البحر، وكذلك سائر صفاته كحياته وسمعه وبصره وإرادته، فلو فرض البحر المحيط بالأرض مدادا، تحيط به سبعة أبحر، وجميع أشجار الأرض شيئا بعد شي ء أقلام، لفني ذلك المداد والأقلام، ولا تفنى كلماته ولا تنفد، فهو أكبر في علمه من كل عالم، وفي قدرته من كل قادر، وفي جوده من كل جواد، وفي غناه من كل غني، وفي علوه من كل عال، وفي رحمته من كل رحيم؛ استوى على عرشه، واستولى على خلقه.

متفرّد بتدبير مملكته فلا قبض ولا بسط، ولا منع ولا هدى ولا ضلال ولا سعادة ولا شقاوة ولا موت ولا حياة ولا نفع ولا ضرّ إلا بيده، لا مالك غيره، ولا مدبّر سواه، لا يستقلّ أحد معه بملك مثقال ذرة في السموات والأرض، ولا له شركة في ملكها، ولا يحتاج إلى وزير ولا ظهير ولا معين، ولا يغيب فيخلفه غيره، ولا يعي فيعينه سواه، ولا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه لمن شاء وفيمن شاء، فهو أول مشاهد المعرفة، ثم يترقى منه إلى مشهد فوقه، لا يتم إلا به، وهو مشهد الإلهية، فيشهده سبحانه متجلّيا في كماله بأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وفضله في ثوابه، فيشهد ربا قيّوما متكلما آمرا ناهيا، يحب ويبغض ويرضى ويغضب، قد أرسل رسله وأنزل كتبه، وأقام على عباده الحجة البالغة، وأتمّ عليهم نعمته السابغة، يهدي من يشاء منه نعمة وفضلا، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلا، ينزل إليهم أوامره، وتعرض عليه أعمالهم، لم يخلقهم عبثا، ولم يتركهم سدى، بل أمره جار عليهم في حركاتهم وسكناتهم وظواهرهم وبواطنهم. فلله عليهم حكم وأمر في كل تحريكة وتسكينة ولحظة ولفظة، وينكشف له في هذا النور عدله وحكمته ورحمته ولطفه، وإحسانه، وبرّه في شرعه وأحكامه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت