الرب، وإن دخلت قدرته الصالحة لهما تحت مقدوره سبحانه، فمشيئته واختياره وفعله غير واقع تحت مقدور الرب.
وهذا من أبطل الباطل، فإن كل ما سواه تعالى مخلوق له، داخل تحت قدرته، واقع بمشيئته، ولو لم يشأ لم يكن.
قلت: القدرية لما أعرضوا عن التدبر، ولم يصغوا إلى التذكّر، وكان ذلك مقارنا لإيراد اللّه سبحانه حجته عليهم، أضيفت أفعالهم إلى اللّه، لأن حدوثها إنما اتفق عند إيراد الحجة عليهم.
قال أهل السنة: هذا من أمحل المحال، أن يضيف الرب إلى نفسه أمرا لا يضاف إليه البتة، لمقارنته ما هو من فعله، ومن المعلوم أن الضد يقارن الضد، فالشرّ يقارن الخير، والحق يقارن الباطل، والصدق يقارن الكذب.
وهل يقال: إن اللّه يحب الكفر والفسوق والعصيان لمقارنتها ما يحبّه من الإيمان والطاعة؟ وأنه يحب إبليس لمقارنة وجوده لوجود الملائكة؟ فإن قيل: قد ينسب الشي ء إلى الشي ء لمقارنته له، وإن لم يكن له فيه تأثير، كقوله تعالى: وَ إِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ (125) [التوبة] ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس، بل قارن زيادة رجسهم نزولها، فنسب إليها.
قيل: لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما، وهما إحداث السورة الرجس، والثاني مقارنته لنزولها، بل هاهنا أمر ثالث وهو أنّ السورة لما أنزلت، اقتضى نزولها الإيمان بها، والتصديق والإذعان لأوامرها ونواهيها، والعمل بما فيها، فوطّن المؤمنون أنفسهم على ذلك، فازدادوا إيمانا بسببها، فنسبت زيادة الإيمان إليها، إذ هي السبب في زيادته، وكذّب