فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 421

وسلم- فيه عن مراضي الله، فكان اجتهادُه -صلى الله عليه وسلم- الأول كالمنسوخ ببلاغه الثاني لتصويب الله تعالى الذي جاء كالناسخ له.

ولم يقل أحدٌ من أهل العلم، لا من السلف ولا من الخلف: إن ما لم يُقرَّ عليه النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلى وفاته مشروعٌ يجوز العمل به، وكيف يقول هذا أحدٌ وهو -صلى الله عليه وسلم- لم يُقرَّ عليه من ربّه عز وجل. فهذا الصِّنف من اجتهاداته -صلى الله عليه وسلم- خارجُ محلِّ النقاش أصلًا، ولا ينازع فيه أحد. وأمّا ما سواه: فقد أفادنا الجوابان السابقان أنّ الاجتهاد النبوي فيه معّبِّرٌ عن مراضي الله عز وجل، في التشريع، وبالتالي فهو وَحْيٌ، لكنه وَحْيٌ مآلًا.

وبذلك تصحّ تلك الأوامرُ المطلقةُ والنصوصُ العامةُ التي أضاء بها الكتاب وتلألأت بها السنة: الدالةُ الدلالةَ القطعيةَ: على وجوب تصديق خبره - - صلى الله عليه وسلم - ، وطاعة أوامره - - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه - - صلى الله عليه وسلم - (وبعد وفاته) لا يُحتملُ أن يكون في أقواله وأخباره ما لم يُقرّه الله تعالى، وبالتالي: فجميع ما لم يُصَوَّب من أقواله - - صلى الله عليه وسلم - فكُلُّه وحي من الله تعالى، وما صُوِّب فقد بلَّغ - - صلى الله عليه وسلم - عن ربّه -عز وجل- ذلك التصويب، وبقي هذا التصويب دليلًا من أدلّة نبوّته - - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنّ مدّعي النبوّة كذبًا لن يحرص على الدلالة على أنه قد وقع في الخطأ! والأهم في ذلك: أنه بهذا التبليغ للتصويب قد تمَّ البلاغُ وحُفِظَ الدين وعُصمت السنَّةُ من أي سببٍ يدعو إلى التردّد في الطاعة أو التصديق.

وبذلك يتّضح أنه لا فرق بين ما صدر عن النبيّ - - صلى الله عليه وسلم - بوحي ابتداءً وما صدر عنه"باجتهاد: في وجوب التصديق لخبره والطاعة لأمره ؛ فكما كان الموحَى به إليه ابتداءً لا خلاف في وجوب ذلك فيه , فكذلك الاجتهادُ منه"؛ لأنه مُوحَى به إليه انتهاءً بالإقرار . فلا فرق بين سنة النبيّ", فكلُّها وحيٌ يُوجِبُ التصديق والطاعة , بدلالة عمومات النصوص السابقة في الكتاب والسنة , والتي لم تُخصِّصْ سنةً من سننه": لا سنةَ الوحي ابتداءً ولا سنة الوحي انتهاءً , ولا سنَّةَ الدِّين ولا سنةَ الدنيا . فالعموماتُ تشملُ جميع السنة, ولم تُخرج منها شيئًا . بل من تلك النصوص ما ورد في وجوب طاعته"في اجتهاده خاصة, ومنها ما ورد في وجوب طاعته في أمور الدنيا على وجه التحديد ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت