وذلك لأنه كم من حديث صحيح لا يرويه إلا أهل بلد خاصة كأفراد الشاميين والعراقيين أو أهل بيت خاصة، كنسخة بريد عن أبي بردة عن أبي موسى [1] ، ونسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [2] ، أو كان الصحابيُّ مقِلًّا خاملًا لم يحمل عنه إلا شرذمةٌ قليلونَ، فمثلُ هذه الأحاديث يغفلُ عنها عامةُ أهلِ الفتوى، واجتمعتْ عندهم آثارُ فقهاءِ كلِّ بلدٍ من الصحابة والتابعين ، وكانَ الرجلَ فيما قبلهم لا يتمكنُ إلا من جمعِ حديثِ بلدهِ وأصحابهِ، وكان مَن قبلهم يعتمدون في معرفة أسماءِ الرجالِ ومراتب عدالتِهم على ما يخلصُ إليهم من مشاهدة الحالِ، وتتبعِ القرائنَ ، وأمعنَ هذه الطبقةُ في هذا الفنِّ ، وجعلوه شيئًا مستقلًّا بالتدوين والبحث، وناظروا في الحكم بالصحَّةِ وغيرها ، فانكشفَ عليهم بهذا التدوين والمناظرة ما كان خفيًّا من حالِ الاتصاِل والانقطاعِ ، وكان سفيانُ ووكيعُ وأمثالهُما يجتهدونَ غاية الاجتهادِ فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتَّصلِ إلا منْ دون الألف حديثٍ، كما ذكره أبو داودَ السجستانيُّ في رسالته إلى أهل مكة ، وكان أهل هذه الطبقة يروونَ أربعينَ ألفَ حديثٍ، فما يقرب منها، بل صحَّ عن البخاري أنه اختصرَ صحيحه من ستمائةِ ألفِ حديثٍ، وعن أبي داودَ أنه اختصر سننه من خمسمائةِ ألفِ حديثٍ، وجعل أحمدُ مسندَه ميزانًا يعرَفُ به حديثُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فما وُجِدَ فيه ولو بطريقٍ واحدٍ من طرقِه فله أصلٌ، وإلا فلا أصلَ له [3] ، وكان رؤوس هؤلاء عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، ويحيى بنُ سعيدٍ القطانَ، ويزيدُ بنُ هارونَ، وعبدُ الرزاقِ ، وأبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ
(1) - كما في صحيح البخارى (92 ) عَن بُرَيْدٍ عَن أَبِى بُرْدَةَ عَن أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - عَن أَشْيَاءَ كَرِهَهَا ، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ « سَلُونِى عَمَّا شِئْتُمْ » . قَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِى قَالَ « أَبُوكَ حُذَافَةُ » . فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ مَنْ أَبِى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ « أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ » . فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِى وَجْهِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
(2) - كما في سنن أبى داود (135) عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الطُّهُورُ فَدَعَا بِمَاءٍ فِى إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلاَثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَدْخَلَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ فِى أُذُنَيْهِ وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ عَلَى ظَاهِرِ أُذُنَيْهِ وَبِالسَّبَّاحَتَيْنِ بَاطِنَ أُذُنَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثًا ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ « هَكَذَا الْوُضُوءُ فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ » . (صحيح)
(3) - قلت: هذا على سبيل التغليب ، وإلا فهناك أحاديث ليست في المسند ، وهي صحيحة وموجودة في المسانيد الأخرى أو السنن الأخرى أو الصحاح . والعبرة بصحة السند ليس إلا .