الحفظ المعروفة عند العلماء، بل إن القرآن الكريم تعرض وما زال لمحاولات التبديل والتغيير، ولكن الله عاصمه، وعاصم نبيه، وكاشف كيد المبطلين، ونظير ذلك قوله تعالى لنبيه: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (67) سورة المائدة ، ومع ذلك فقد تعرَّض لمحاولات القتل والاعتداء كما في بني النضير [1] ، وفي قصة الشاة المسمومة، [2] فتلك العصمة لم تظهر لنا بصورة واضحة جليَّة إلا مع تلك المحاولات.
3.الدفع الثالث: السنَّة ثابتة في حق جميع الأنبياء وتلقوها من ربهم?
إذا وافَقَنا مَن يناظرنا على ما طرحناه، فبها ونعمت، وإن لم يكفه ما قدمناه فيأتي دورنا في طرح هذا السؤال عليه: ماذا تلقى الأنبياء من ربهم? ولابد له أن يجيب أنهم تلقوا الكتاب فقط, لأنه لو قال معه غيره لبطلت دعواه, فيطالب بتفسير الحكمة المشار إليها في الآيات التالية:
* { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} (34) سورة الأحزاب
* (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) 8
(1) - قَالَ اِبْن إِسْحَاق"فَخَرَجَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إِلَى بَنِي النَّضِير يَسْتَعِينهُمْ فِي دِيَتهمَا فِيمَا حَدَّثَنِي يَزِيد بْن رُومَان ، وَكَانَ بَيْن بَنِي النَّضِير وَبَنِي عَامِر عَقْد وَحِلْف ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ يَسْتَعِينهُمْ قَالُوا: نَعَمْ . ثُمَّ خَلَا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَنْ تَجِدُوهُ عَلَى مِثْل هَذِهِ الْحَال . قَالَ: وَكَانَ جَالِسًا إِلَى جَانِب جِدَار لَهُمْ ، فَقَالُوا مَنْ رَجُل يَعْلُو عَلَى هَذَا الْبَيْت فَيُلْقِي هَذِهِ الصَّخْرَة عَلَيْهِ فَيَقْتُلهُ وَيُرِيحنَا مِنهُ ؟ فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرو بْن جِحَاش بْن كَعْب فَأَتَاهُ الْخَبَر مِن السَّمَاء فَقَامَ مُظْهِرًا أَنَّهُ يَقْضِي حَاجَة وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَبْرَحُوا ، وَرَجَعَ مُسْرِعًا إِلَى الْمَدِينَة ، وَاسْتَبْطَأَهُ أَصْحَابه فَأُخْبِرُوا أَنَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَة ، فَلَحِقُوا بِهِ ، فَأَمَرَ بِحَرْبِهِمْ وَالْمَسِير إِلَيْهِمْ ، فَتَحَصَّنُوا ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ النَّخْل وَالتَّحْرِيق"فتح الباري لابن حجر - (ج 11 / ص 358) وهو صحيح مرسل
(2) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- شَاةً مَسْمُومَةً فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَالَ « مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ » . قَالَتْ أَحْبَبْتُ أَوْ أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُطْلِعُكَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا أُرِيحُ النَّاسَ مِنكَ. قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا وَجَدَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا احْتَجَمَ . قَالَ فَسَافَرَ مَرَّةً فَلَمَّا أَحْرَمَ وَجَدَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَاحْتَجَمَ. مسند أحمد (2837) {1/306} صحيح