الآخر فتساقطا, فإن عاد الأصْل وحدَّث به, أو حدَّث فرع آخر ثقة عنه, ولم يُكذبه فهو مقبول. صرَّح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما [1]
(1) - البرهان في أصول الفقه - الرقمية - (ج 1 / ص 250) وتدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - (ج 1 / ص 264)
لكن ينبغي أن يتنبه هنا إلى أمرٍ هام ، وهو أن هذا الحكم إنما يكون إذا كان كلٌّ من الشيخ والراوي عنه ثقة ، أما إذا كان أحدهما ضعيفًا ، فلا تقبل دعواه ، ويقدم قول الثقة .
فمثال ضعف الشيخ:
قال الحاكم في معرفة علوم الحديث (367 ) حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَطَاءٍ , عَن مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ , عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"مَنْ مَاتَ مَرِيضًا ، مَاتَ شَهِيدًا ، وَوُقِيَ فَتَّانَ الْقَبْرِ ، وَغُدِيَ ، وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ"قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِبْرَاهِيمُ هَذَا هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى الْأَسْلَمِيُّ سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الدُّورِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ:"حَدِيثُ:"مَنْ مَاتَ مَرِيضًا ، مَاتَ شَهِيدًا"، كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِيهِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَطَاءٍ وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى"
وروى ابن الجوزي في الموضوعات (1739) بإسناده إلى ابن أبي سكينة الحلبي ، قال: سمعت إبراهيم بن أبي يحيى يقول: حدَّثتُ ابن جريج بهذا الحديث: ( من مات مرابطا) فروى عني (من مات مريضا) وما هكذا حدثته .
قال ابن الجوزي: ابن جريج هو الصادق ، وذلك لأن ابن أبي يحيى الأسلمي ضعيف ، وابن جريج ثقة .
ومثال ضعف الراوي:
عن شعبة قال روى الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي سبعة أحاديث فلقيت الحكم فسألته عنها فقال ما حدثت بشيء منها.
والحسن بن عمارة ضعيف ، بل متروك ، والحكم بن عتيبة ثقة حافظ .
وهذه القصة تدلُّ على سوء حفظ الحسن بن عمارة ، لأنه روى عن الحكم أحاديث لا أصل لها عنه ، ولذا لما سئل الحكم عنها قال: ما سمعت بهذا شيئاَ .
فإن قيل: قد روى الخطيب في الكفاية (280 ) أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ الْحَافِظُ ، ثنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، ثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ , قَالَ: سَأَلْتُ أَيُّوبَ بْنَ سُوَيْدٍ عَنِ الَّذِي كَانَ شُعْبَةُ يَطْعَنُ بِهِ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَقَالَ لِي:"كَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ لَمْ يُحَدِّثْ عَن يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ , وَالْحَسَنُ يُحَدِّثُ عَنِ الْحَكَمِ عَن يَحْيَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةً , قَالَ: فَقُلْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَقَالَ: إِنَّ الْحَكَمَ أَعْطَانِي حَدِيثَهُ عَن يَحْيَى فِي كِتَابٍ لِأَحْفَظَهُ فَحَفِظْتُهُ"
فإن قيل: أليس هذا كافيًا في تبرئة الحسن بن عمارة ، إذ أنه صرح بأنه حفظ عن الحكم ما لم يحفظه غيره ؟!
قلت: كلا ، لأمور:
الأول: أنه رجل سيئ الحفظ ، فمهما ادعى من شيء فلن يسمع له .
الثاني: أنه لم يحدث بها من الكتاب ، بل من حفظه كما يفهم من كلامه ، وقد مرَّ أنه سيئ الحفظ ، فلا يؤمن عليه أن يخطئ فيدخل حديثا في حديث ، أو يقلب بعض الأسانيد عن غير قصد .
الثالث: أن الحكم بن عتيبة لما سئل عن هذه الأحاديث أنكرها ، وهو ثقة حجَّةٌ ، فلا يردُّ قوله لقول الحسن بن عمارة الضعيف .
الرابع: أن هذه الأحاديث التي تفرد بها عن الحكم يحيى بن الجزار ، وجدها الئمة أحاديث منكرة غير مستقيمة ، وهذا أكبر دليل على الحكم لم يحدث بها ، لأن الأحاديث المناكير لا تأتي إلا من الرجال المناكير كالحسن بن عمارة وأمثاله"التدريب هامش 1/561-562"