والوجه الثاني - أنهم أخطئوا في فهم الواقع ، لأنهم ظنوا أن الخلاف بيننا وبين أهل الكتاب يمكن أن يزول ، من خلال تنازل هؤلاء عن كثير من أحكام دينهم ، ونسي هؤلاء ما يفعله أهل الكتاب بالمسلمين اليوم ، وما فعلوه من قبل ، ونسوا قول الله تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} (120) سورة البقرة
لقد استقبل اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودينه في المدينة شر ما يستقبل أهل دين سماوي رسولًا يعرفون صدقه ، ودينًا يعرفون أنه الحق . .
استقبلوه بالدسائس والأكاذيب والشبهات والفتن يلقونها في الصف المسلم في المدينة بكافة الطرق الملتوية الماكرة التي يتقنها اليهود . . شككوا في رسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفونه؛ واحتضنوا المنافقين وأمدوهم بالشبهات التي ينشرونها في الجو وبالتهم والأكاذيب . وما فعلوه في حادث تحويل القبلة ، وما فعلوه في حادث الإفك ، وما فعلوه في كل مناسبة ، ليس إلا نماذج من هذا الكيد اللئيم . . وفي مثل هذه الأفاعيل كان يتنزل القرآن الكريم . وسور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والحشر والأحزاب والتوبة وغيرها تضمنت من هذا الكثير: { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ، فلعنة الله على الكافرين ، بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله - بغيًا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده - فباءوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين } [ البقرة: 89 - 90 ] .