فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 115

.وما يشير إليه قوله سبحانه في آية أخرى: « وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ » (117:المؤمنون) وثانيتهما:أن هذا النظر المتفحص،الذي يطلب علما،ويرتاد حقيقة،من شأنه أن يثبت إيمان المؤمن باللّه،ويكشف له من جلال اللّه وعظمته،وعلمه،وقدرته ـ ما يملأ قلبه يقينا بربه،وطمأنينة إلى الدين الذي يدين به،فيعبد اللّه مخلصا له الدين،غير متعرض لما يتعرض له غيره من اهتزاز في إيمانه،واضطراب في عقيدته،كلما مرت به محنة،أو أصابته فتنة .. فيكون ممن قال اللّه فيهم: « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ » (11:الحج) ولهذا كان من تدبير الإسلام دعوة المؤمنين إلى النظر في ملكوت السموات والأرض،وإعمال العقل في كل ما يعرض للمؤمن من أمر،ولقد جعل الإسلام النظر والتدبر،عبادة يتقرب بها المؤمن إلى ربه،ويبغى بها المثوبة والرضوان.

قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ » هو دعوة للوالدين المشركين،أن يأخذا طريقهما إلى الإيمان والعمل الصالح،ليكونا في عباد اللّه الصالحين،وليفوزا بما أعد اللّه سبحانه وتعالى لهما من رضا ورضوان .. ثم هو دعوة للأبناء المؤمنين أن يستمسكوا بدينهم،وأن يحتملوا في صبر ورضا ما يلقون من آلام مادية ونفسية،ليظلوا في عباد اللّه المؤمنين الصالحين .. ثم هو دعوة عامة للناس جميعا،إلى الإيمان باللّه،والعمل الصالح ..

فالمؤمنون مدعوون ليتمسكوا بإيمانهم،ثم ليؤدوا لهذا الإيمان مطلوبه من الأعمال الصالحة .. وغير المؤمنين مدعوون ليؤمنوا باللّه أولا،ثم ليعملوا صالحا .. فهذا هو طريق النجاة والفلاح .. [1]

إن الصلة في اللّه هي الصلة الأولى،والرابطة في اللّه هي العروة الوثقى. فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان والرعاية،لا الطاعة ولا الاتباع. وإن هي إلا الحياة الدنيا ثم يعود الجميع إلى اللّه.

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (10 / 407)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت