إليهما،وحسبه أن يظل ممسكا بدينه،حريصا عليه،لا تنال منه أية قوة،مهما كان بأسها،وسلطانها ..
وفي قوله تعالى: « وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما » دعوة إلى التمسك بالدين،على الرغم من مجاهدة الوالدين للابن،وقسوتهما عليه،وأخذه بكل ما لهما عليه،من سلطان مادى أو أدبى.
وقوله تعالى: « ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » ـ إشارة إلى أن المعتقد الدسني السليم،يجب أن يقوم على أساس من العلم،الذي يقيم لصاحبه تصوّرا واضحا،وإدراكا سليما للإله الذي يعبده .. أما أن يدين الإنسان بما دان به آباؤه وأجداده،من غير أن يكون له نظر وفهم،ومن غير أن يجد بين يديه الحجة والبرهان على أحقية معبوده بالعبادة،فذلك معتقد لا ينتفع به صاحبه،وإن كان في ذاته معتقدا سليما،لأنه لم ينبع عن إرادته،ولم يتصل بمشاعره. فهو كائن غريب في كيانه،وهذا يعنى أن الأبوين ـ أحدهما أو كليهما ـ إذا كانت منهما دعوة إلى ابنهما أن يعبد إلها غير اللّه،وأن يدين بدين غير الإسلام،الذي آمن به عن نظر واقتناع ـ فليس ذلك بالذي يمنع الابن من أن ينظر في هذه الدعوة الجديدة التي يدعى إليها من أبويه،وأن يتعرف على هذا الإله الذي يراد منه أن يعبده ..
فليس الإسلام بالذي يحجر على العقل أن ينظر في كل دين،وأن يبحث في كل معتقد،وأن يتفرس وجوه الآلهة التي يعبدها العابدون .. فهذا النظر وذلك البحث والتفرس،سينتهى آخر الأمر إلى حقيقتين:
أولاهما:أنه سيسقط من الحساب كلّ ما يقع عليه النظر من آلهة غير اللّه سبحانه وتعالى .. وأنه كلما تفرس المرء في وجه من وجوه هذه الآلهة التي تعبد من دون اللّه،أنكره،وارتفع بإنسانيته عن أن يعفر وجهه في معبد لحجر،أو صنم،أو حيوان .. أو إنسان .. وبهذا النظر يفيد الإنسان علما،وهو أن المعبود الحق،هو اللّه جل وعلا،وأن أي معبود آخر،لا يجد العقل من جهته علما يمسك منه بحجة أو برهان على ألوهيته ـ هو معبود باطل .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ » .