فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 115

قوله تعالى: « وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » قلنا إن المؤمنين قد ابتلوا أول الإسلام بلاء عظيما،حيث فرق الإسلام بين ذوى الأرحام،وقطّع ما بينهم من صلات المودة .. وقد أشرنا إلى ذلك في آخر سورة القصص،وفي أول هذه السورة ..

وهذه الآية تعرض قضية من قضايا هذا الصراع النفسي الذي أوجده الخلاف في الدين بين الآباء والأبناء ..

فالآباء الذين دعوا إلى الإسلام،قد وقفوا موقف العناد،وأبوا أن يتحولوا عما ألقوه من عادات ومعتقدات،وقليل منهم من آمن اللّه ..

والأبناء،كانوا أقرب إلى الإسلام،إذ لم تكن فطرتهم قد انطمست معالمها بعد،بموروثات آبائهم وأجدادهم،فحين دعوا إلى الدين الجديد،استجابوا له .. وقليل منهم من حزن وأبى! والأمثلة هنا كثيرة .. فقد سبق أبو بكر إلى الإسلام،وتأخر أبوه إلى يوم الفتح .. وعلى بن أبى طالب،سبق إلى الإسلام ولم يسلم أبوه .. وهكذا.

فماذا يكون الموقف بين أبناء مؤمنين وآباء مشركين ؟ إن الإسلام يوصى ببر الوالدين،وطاعتهما،والإحسان إليهما .. فماذا يكون الموقف لو أن الوالدين المشركين أرادا ابنهما على أن يرتد عن دينه الذي دخل فيه،ويعود إلى دينهم مشركا ؟ أيطيعهما،ويرتد مشركا،أم لا يلتفت إليهما،ولا يسمع لقولهما ؟

وجواب الإسلام على هذا هو أنه لا ينكر حق الوالدين،والطاعة المفروضة على الأبناء لهما،ولكن هذا،حق إذا تعارض مع حق هو أولى منه،قدّم الحق الأولى عليه ..وهنا حق أول،لزم الابن،ووجب عليه،هو الإيمان باللّه .. وإن أي حق يتعرض هذا الحق لا يلتفت إليه ..

وإذن،فالذى يقتضيه الموقف الذي يقفه الابن المؤمن من والديه المشركين،هو أن يلزم جانب الإيمان باللّه،وألا يجعل من طاعته لهما عصيانه للّه،وكفره به،على أن يلتزم الابن ـ ما استطاع ـ حدود الأدب معها،وألا يعنف بهما،وألا يسوق شيئا من الأذى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت