أن يرحمهما فرحمة اللّه أوسع،ورعاية اللّه أشمل،وجناب اللّه أرحب. وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء.
قال الحافظ أبو بكر البزار - بإسناده - عن بريدة عن أبيه:أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل أديت حقها؟ قال:لا. ولا بزفرة واحدة.
ولأن الانفعالات والحركات موصولة بالعقيدة في السياق،فإنه يعقب على ذلك يرجع الأمر كله للّه الذي يعلم النوايا،ويعلم ما وراء الأقوال والأفعال: «رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ،إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا» .
وجاء هذا النص قبل أن يمضي في بقية التكاليف والواجبات والآداب ليرجع إليه كل قول وكل فعل وليفتح باب التوبة والرحمة لمن يخطىء أو يقصر،ثم يرجع فيتوب من الخطأ والتقصير.
وما دام القلب صالحا،فإن باب المغفرة مفتوح. والأوابون هم الذين كلما أخطأوا عادوا إلى ربهم مستغفرين. [1]
وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (8) سورة العنكبوت
يَأَمُرُ اللهُ تَعالى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ بالإِحسانِ إِلى الوَالِدينِ،لأَنَّهُما سَبَبُ وُجُودِ الإِنْسَانِ،وَلَهُمَا عَلَيهِ الفَضْلُ الكَبيرُ.وَلكِنْ إِذا كَانَ الوَالِدَانِ مُشْرِكَينِ وأَمَرا وَلدَهُما المُؤْمِنَ بِمَا فِيهِ كُفْرٌ وَمَعْصِيَةٌ للهِ تَعَالى،أَوْ أَمَراهُ بأَنْ يُشْرِكَ باللهِ مَا لا عِلمَ لَهُ بألُوهِيَّتِهِ ( مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ،فَعَلَيهِ أَنْ لاَ يُطِيعَهُما،لأَنّ حَقَّ اللهِ أَعظَمُ مِنْ حَقِّ الوَالِدينِ إِذْ"لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعصِيَةِ الخَالِقِ"كَمَا جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
ثُمَّ يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالى عِبَاده المُؤمِنينَ إلى أَنَّهُمْ سَيرجِعُونَ إليهِ يومَ القِيَامةِ فَيجْزِيهِمْ بإِحْسَانِهِمْ إِلى وَالدَيهِمْ،وَبِصَبْرِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ،وَيَحْشُرُهُمْ مَعَ الصَّالِحينَ .
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2221)