فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 1942

وهناك أمر ثالث يثار عند المبالغة في التخوف من ظاهرة العولمة. فهذه المبالغة قد تعود أيضا إلى الاعتقاد الواهم لدى فئات من المسلمين بأنهم لا يملكون ما يقدمونه للعالم، بينما يملك العالم ما يقدمه للمسلمين، وهذه مقولة خاطئة تعود إلى العاملين السابقين. إن المسلمين يملكون شيئا كثيرا يمكنهم تقديمه إلى العالم لو عرفوا كيف يسخرون الوسائل الحديثة لذلك، وإذا أدركنا أن هذا واجب على المسلمين انطلاقا من مبدأ الشهادة على الناس وهداية البشرية، عرفنا أن العولمة ليست غولا مرعبا، بل هي على العكس قناة جديدة تفتح أمام الرسالة الإسلامية، وليس غريبا أن يكون الغرب هو نفسه أول من يعرف هذه الرسالة الإسلامية ويتوجس خيفة منها، ويضع نظرية حول صدام الحضارات انطلاقًا من هذا التوجس. إن العولمة لا تشكل خطرا بذاتها على المسلمين، ولكن سوء التعامل وعدم اختراقها هو ما يشكل أسوأ الخطر علينا.

يقول الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي:"إن الدعوة إلى العولمة لا ينبغي أن يقصد بها طمس هوية الشعوب، وإلغاء خصوصياتها الحضارية، ولا الغض من عناصر هويتها الدينية والثقافية، أو قطع الصلة بينها وبين تاريخها وتراثها الحضاري. وأكثر ما ينطبق ذلك على العالم الإسلامي الذي يؤمن بدينه عقيدة وشريعة ويعتز به، ويمكن أن يسهم بالإضافة والتجديد إلى حضارة الإنسان المعاصر في نطاق عالمية الإسلام، وأنه رسالة عالمية خالدة، خاتمة للرسالات الإلهية، تدعو الناس إلى عبادة الله وحده، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بعث رحمة للعالمين". ويواصل الدكتور التركي قائلا:"إن المسلمين يملكون رصيدا ضخما في مجال الثقافة والقيم والعلاقات الإنسانية، والتعاون بين الأمم والشعوب، فينبغي أن يكون للإسلام نصيبه في بناء أي نظام عالمي جديد، وأن يكون له مكانة في الدعوة إلى التعايش السلمي بين البشر" (8) . ويقول الدكتور محمد فاروق النبهان:"نحن نجد ملامح العولمة في القيم الإسلامية التي تدعو إلى التكافل بين الناس، والتعاون على الخير وإلغاء كل مظاهر التمييز العنصري، ومقاومة كل دعوة إلى إقليمية ضيقة أو قومية متفوقة، أو عصبية جاهلية" (9) .

وإذا كانت العولمة ظاهرة جديدة نشأت في الغرب، فإن الإسلام جاء بالعالمية الإنسانية منذ عدة قرون، وهي البديل الأخلاقي للعولمة الغربية، والإسلام لم يكن عالميا فقط لأنه موجه إلى العالمين، بل كذلك لأن الحضارة الإسلامية حضارة شاملة ومكسب للبشرية جمعاء، ولم يكن العرب سوى نواة هذه الرسالة، أما محيطها فهو كل الإنسانية. وقد ساهمت الشعوب الأخرى جميعها في بناء هذا الصرح الشامخ، فهي حضارة غنية في ذاتها تداخلت فيها إسهامات كل الشعوب.

خطوات في مواجهة العولمة

إن الموقف الإسلامي الصحيح في مواجهة العولمة هو التشبث بالإسلام عقيدة وشريعة وتحكيمه في النظر إلى الظواهر العالمية المستجدة، وتفسيرها لردها إلى حجمها الحقيقي في إطار المنظومة الإسلامية الصحيحة التي تتسم بالشمولية والواقعية والعالمية والخيرية. غير أن تصريف هذا الموقف يتطلب التعبئة الشاملة للمجتمع للتصدي لمخاطر العولمة المحتملة والأكيدة، ونجمل عناصر هذه التعبئة في الخطوات العملية التالية:

1-تحصين الذات بالتربية الإسلامية الصحيحة والسليمة للفرد والأسرة، والطفل بالخصوص لأنه رجل المستقبل والحامل لبذور القوة والهزيمة بحسب التنشئة التي يتلقاها في وسطه.

2-بناء استراتيجية ثقافية إسلامية قوية وراشدة وفعالة تقدم الإسلام للبشرية على أنه البديل والخلاص الوحيد من محن العولمة المادية، وتوضيح حقيقة الأنموذج الحضاري الإسلامي.

3-وضع قاعدة لإعلام إسلامي يعنى بتقديم الصورة الحقيقية للإسلام باعتباره هداية للبشرية، وكشف عورات الحضارة الغربية المادية وبيان نواقصها ومخاطرها على الجنس البشري.

4-إنشاء سوق اقتصادية بين دول العالم الإسلامي لتبادل المنافع والسلع بما يحقق التعامل بين الاقتصاديات الإسلامية والتكافل بين شعوب العالم الإسلامي، دون الانغلاق عن بقية العالم.

5-تشجيع العلم والمعرفة والبحث عن الخبرات وتوظيفها التوظيف الناجح لتحقيق الاكتفاء الذاتي لشعوب العالم الإسلامي من الغذاء والدواء.

6-ترشيد الاستهلاك والتوعية بذلك والإلحاح على القيم الإسلامية الواضحة في هذا المجال.

ــــــــــ

*- باحث وكاتب صحافي من المغرب.

الهوامش:

1-نقلا عن د. عبد الخالق عبد الله:العولمة جذورها وكيفية التعامل معها.عالم الفكر،المجلد 28 العدد الثاني.1999 ص 52.

2-السيد يسين: في مفهوم العولمة.المستقبل العربي.عدد 129 أكتوبر 1998ص 7.

3-محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي.المركز الثقافي العربي.البيضاء، الطبعة الثانية 1987 ص 13.

4-مالك بن نبي: تأملات - مشكلات الحضارة: دار الفكر المعاصر.بيروت- دار الفكر، دمشق-الطبعة الخامسة 1412ه. 1991م ص 147.

5-إدريس الكنبوري: العولمة والهيمنة الثقافية الأمريكية. الفرقان. عدد 43 - 1420ه. 200م-ص 101.

7-هانس مارتين وهارالد شومان: فخ العولمة - ترجمة عباس علي -عالم المعرفة - الكويت-أكتوبر 1998- ص 42.

8و9- العالم الإسلامي ( رابطة العالم الإسلامي) الاثنين 28 ربيع الأول 1420 -يول

(الشبكة الإسلامية) عبد الرحمن الحاج *

تزامن خفوت الحضارة الإسلامية مع صعودها في الغرب كما سجل ابن خلدون في مقدمته، ولم يستشعر المسلمون وطأة هذا الخفوت وضريبته حتى القرن التاسع عشر مع طلائع"الإصلاحات"التي بدأها بعض الولاة العثمانيين في أقاليم الخلافة الإسلامية استهداءً بالغرب، وأدت هذه الإصلاحات التي عرفت بـ"التنظيمات"إلى انهيار الخلافة العثمانية برمتها، ولم يبدأ البحث عن سبل النهوض على نحو جدي إلا حين دكت قنابل نابليون مدن العالم العربي، أي في قلب الخلافة الإسلامية.

مضت المحاولات الفكرية للبحث عن النهضة، بدأت بالسؤال:"لماذا تقدم الغرب؟"لنحذو حذوه، ثم أصبح السؤال (مع شكيب أرسلان) في مطلع القرن العشرين:"لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"ولم يلبث أن انقلب السؤال (مع أبو الحسن الندوي) في منتصف القرن المذكور ـ بسبب صعود الدولة العلمانية واستشراء المد الماركسي على النخب الفكرية ـ إلى:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"والآن بعد قرنين من الزمن عدنا إلى نقطة الصفر، إذ لم يتحقق من النهضة التي حلم بها مفكرو الأمة شيئ، وأصبح السؤال:"لماذا أخفقت النهضة؟"!

هذا الموضوع الذي أصبح أحد أكثر الموضوعات أهمية الآن في أوساط النخبة الثقافية المسلمة، تدور حوله بحوث متعددة وتحت مسميات مختلفة، ويأتي هذا الكتاب في سياق الجواب عن النهضة في سؤالها الأخير"لما أخفقت؟".

هل النهضة"حلم تاريخي"؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت