فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 1942

وقد أوحى هذا التقارب بين الثقافات للغرب بالمخاطر التي يمكن أن تسفر عنها العولمة الثقافية، وبالتخوف من الإسلام والثقافة الإسلامية، فظهرت مقولة"صدام الحضارات"للباحث الأمريكي صامويل هانتنغتون، التي يتحدث فيها عن المخاطر الكامنة في الثقافات الأخرى - ومنها الإسلامية - على الثقافة والحضارة الأنجلوسكسونية الغربية المسيحية، وهذا يعني أمرا واحدا ينبغي علينا نحن المسلمين أن نفقهه، وهو أن الغرب الذي سبق إلى التبشير بالعولمة وكأنه الرابح الوحيد منها، هو نفسه المتخوف على ثقافته وحضارته. إن العولمة الثقافية ستفتح الباب أمام المنافسة الحضارية والثقافية بين الثقافات، من أجل الهيمنة والغلبة على الثقافات الأخرى، وفرض السيطرة على العالم وزرع القيم الحضارية الواحدة التي ستصبح إذًا المفتاح الوحيد الذي يخول للشعوب فرصة الدخول إلى نادي العولمة. وقد شرعت الولايات المتحدة الأمريكية فعلا في تصدير قيمها الثقافية إلى باقي دول المعمورة، واستشعرت أوربا نفسها - بوحدتها النقدية والثقافية القوية - مخاطر هذا التغلغل الأمريكي في نسيجها الثقافي، الأمر الذي أدى إلى ردود فعل قوية من قبل المسؤولين الأوربيين وخاصة الفرنسيين منهم، وطالبوا بـ"الاستثناء الثقافي"في مفاوضات منظمة التجارة العالمية (5) .

تنحو العولمة نحو القضاء على السيادة الثقافية للأمم والشعوب وإزالة الخصوصيات التي تقف حجر عثرة أمام شيوع قيمها الجديدة التي تبشر بها، لتحل محلها ثقافة جديدة معولمة تهدف إلى تسليع القيم وتوظيف الإعلام لخدمة أهدافها. ولعل من بين السمات الحقيقية لثقافة العولمة هي بالتأكيد النسبية والتغير المستمر، لأن ثقافة العولمة ثقافة تركض وراء كل جديد في الأسواق العالمية، وهذه الأسواق هي التي تحدد القيم وليس العكس، وهذا يشير إلى أن هذه الثقافة مجردة عن المبدأ الأخلاقي الذي يشكل أساس أي ثقافة بانية ومؤسسة، لا ثقافة الهدم والخراب الإنساني، فلا مكان للقيم الروحية في هذه الثقافة السطحية المادية، بل قيم مادية متغيرة باستمرار يحكمها مبدأ الجديد في كل شيء، وتتعارض مع الأخلاق والأديان التي تؤكد على الثوابت الراسخة.

والعولمة أيضا دعوة إلى تبني نموذج ثقافي معين، وسيادة النمط الثقافي الواحد (6) ، وهذا يعني أن كل من لا يساير هذا النمط معرض للتهميش والانقراض، وفقا لنظرية"الاصطفاء"الداروينية والبقاء للأصلح من الأنواع. وتقوم وسائل الإعلام من خلال الصورة برسم معالم هذا النمط الثقافي الواحد وتسويقه عبر مناطق العالم.

تهديد التعددية الثقافية

لقد أشار عدد من الباحثين والمفكرين العرب والمسلمين إلى مخاطر العولمة على الخصوصيات الثقافية للشعوب، وتهديدها للتعدد الثقافي وحتى اللغوي. وفي عام2000 خرج برنامج للأمم المتحدة للتنمية في تقريره السنوي حول التنمية البشرية عن صمته ليعبر عن هواجسه من زحف العولمة على الثقافات. وأشار التقرير إلى أن طوفان الثقافات الأجنبية يمكن أن يؤدي إلى تخريب التعددية الثقافية في العالم ويدفع الشعوب إلى التخوف من فقدان هويتها الثقافية. وأوصى التقرير بضرورة حضور جميع الثقافات في العالم والتعبير عن نفسها، مستشهدا بمقولة شهيرة للمهاتما غاندي يقول فيها:"إنني أقبل أن تغمرني جميع الثقافات الموجودة، لكنني لا أقبل أن تدهسني واحدة منها". ولقد أشار التقرير - استنادا إلى تقرير لمنظمة اليونسكو - إلى أن الثقافة أصبحت تحظى بأهمية اقتصادية كبرى في السنوات الأخيرة، حيث تضاعفت قيمة المبادلات العالمية من الإنتاج الثقافي بين 1980- 1991 ثلاث مرات من 67 إلى 200 مليار دولار، وتمثل الولايات المتحدة الأمريكية النسبة الأكبر في هذا المجال (7) .

هذه المؤشرات والمعطيات التي تضمنها تقرير صادر عن منظمة عالمية تؤكد فعلا مقدار الخطر الذي تحمله العولمة في أحشائها بالنسبة للثقافات غير الغربية أو غير الأمريكية، خطر القضاء على التعددية الثقافية والحضارية التي لا يمكن من دونها أن يتحقق الانتماء الإنساني والإثراء الحضاري للأمم والشعوب. فالتعدد والتنوع فطرة إنسانية جعلها الخالق سبحانه وتعالى لحكمة بالغة، وهي التعارف والتقارب والتعايش والبحث عن الأفضل مما لدى الآخرين والتكامل والتكافل. ومن دون ذلك ينحدر المجتمع الإنساني في هوة سحيقة من الأنانية وعبادة الذات مما يمهد للفناء والتلاشي.

موقفنا نحن المسلمين

لكن المبالغة في تقدير مخاطر العولمة بالنسبة لنا نحن المسلمين قد تكون دافعا نحو الاستسلام لتيارها والتعامل معها على أنها قدر لا مفر منه، وهو ما يتنافى مع عقيدتنا التي تمتلك من لوازم القوة والصلابة والصمود ما أوهى صخورا عاتية كثيرة في الماضي والحاضر وردت على أعقابها.

إن الإسلام جاء هداية للبشرية جمعاء، ولإخراجها من ظلمات الكفر والضلال والفتن والصراعات المقيتة إلى نور الهداية والاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين الشعوب. وقد جاء دينا شاملا لكافة مجالات الحياة، رسالة جامعة للبشرية كلها، دونما إلغاء لخصوصياتها الذاتية، بل بإغنائها وتهذيبها من متعلقات الشرك والانحراف، وتقويمها ورسم أهداف سامية لها، إن موقف المسلم من العولمة ينبغي أن يكون موقفا متشبعا بهذه النظرة الإيمانية القوية ومسلحا بالتفاؤل وعاملا على خوض غمار العولمة بالوسائل التي يتيحها الدين الإسلامي الخاتم، وهي التحصين والتربية القوية والعلم والمعرفة، إذ من دون ذلك لم يكن المسلمون ليصمدوا في الماضي أمام الغزاة والمحتلين والمستعمرين، قبل أن يكون هناك ما يسمى بالعولمة.

فالعولمة ليست كائنا خرافيا تستحيل مواجهته، ولا آلة صماء لا يمكن تطويعها أو التعامل معها. إنها ظاهرة عالمية جديدة تطرح تحديات جديدة، وقد كان المسلمون باستمرار يجابهون الكثير من التحديات منذ أن ظهر الإسلام وأضاء نوره الكون، وكانت هذه التحديات بالنسبة لهم جديدة بمقاييس عصرهم وإمكاناتهم المتاحة، لكنها لم تكن مخيفة أو تعجيزية بالنظر إلى الشحنة الإيمانية القوية التي كانوا يخوضون بها لجج المعارك الحضارية الكبرى.

وربما كان جزء كبير من تخوف المسلمين اليوم من ظاهرة العولمة عائدا إلى أمرين أساسيين: الأمر الأول عدم العودة إلى تاريخنا الإسلامي العظيم وسجله الضخم وقراءته قراءة فاحصة وتدبر دروسه ومواعظه. والأمر الثاني انهيار المعنويات النفسية والشعورية والإيمانية للمسلمين، حتى كاد العالم الإسلامي اليوم تتحقق فيه مقولة القابلية للاستعمار التي وضعها مالك بن نبي - رحمه الله - لوصف النفسية الإسلامية في فترات معينة من القرن العشرين أمام الاحتلال الأجنبي لأقطار المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت