ومن هنا كان التفكير العلمي في الإسلام، يقوم على الموضوعية، والصدق، ومن الحوادث البالغة الدالة على العقلية الموضوعية، لدى الفكر الإسلامي، ما حدث مصادفة، أن كسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فقال قوم إنها كسفت لموت إبراهيم.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته". وبهذا قرر الرسول الصادق، مبدأ علميا، يعتمد عليه المسلمون، فيما يتصل بالكون وما فيه )) .
وفي حادثة فيضان نهر النيل، بإقليم مصر الإسلامي، موضوعية علمية، تنبئ عن نظافة الفكر الإسلامي.. حيث كان الاعتقاد قبل الفتح الإسلامي، أن النيل لا يفيض بالماء، إلا إذا ألقيت فيه فتاة حسناء، لتموت فيه غرقا. فلما حان وقتذاك. كتب الحاكم عمرو بن العاص، والي أمر مصر، إلى خليفة المسلمون عمر بن الخطاب، في المدينة المنورة، عاصمة الخلافة الإسلامية، يخبره بما تعود عليه المصريون فأجابه عمر بإرسال رسالة، يلقيها في النيل، وكان في الرسالة: (( من عمر أمير المؤمنين إلى النيل إن كنت تجري من عندك فلا حاجة لنا بك، وإن كنت تجري بفضل الله، فاللهم بارك لنا ) ).
وفي ميدان التطبيق العملي، نجد أن عمر بن الخطاب في خلافته، قد أمر بقطع شجرة الرضوان، لأن بعض الناس قد أسبغ عليها صفات غير موضوعية.. هذا وأمثاله مظهر للتفكير العلمي الموضوعي لدى المسلمين ينبئ لكل عاقل أن الإسلام هو الدين الحق والصراط المستقيم.
ولهذا كانت للمسلمين حضارة، وعلوم، ومخترعات.. كانت هناك تشريعات وفلسفة، وقوانين، وطب، وفلك، ورياضيات، وأدب، واجتماع وتاريخ وجغرافيا، وكيمياء، وآداب للسلوك.. وكان لكل هذه العلوم أساتذة عباقرة، كأئمة الفقه، وعلماء التفسير، ورجال الحديث، الذين خرجوا المسائل والأحكام الفقهية، وضبطوا أساليب النقد، وقعَّدوا قواعد التشريع.. ويذكر لنا التاريخ عشرات المئات من العلماء في كل فن.. أصبح هناك قادة وحكام لم يعرف التاريخ لهم مثيلا.. وهم لم يدخلوا الكليات الحربية، ولم يدرسوا في مدارس عسكرية.. ولكن دخلوا شيئا واحدا، هو كلية القرآن الكريم، ومدرسة الإسلام الحنيف.. وهناك مدن امتلأت بالعلم والعلماء، ومعاهد الحضارة، مثل: القاهرة، وبغداد، ودمشق، وقرطبة، وغرناطة، واشبيلية، وبخارى وغيرها من العواصم التي تزخر بكل ألوان الحضارة.. وكانت هناك دول وممالك، في الشرق والغرب، بسطت نفوذها الإسلامية وعقيدتها، وعبقريتها، وشرقت وغربت حتى نشرت الفكر الصحيح.. وكل هذا بفعل الاتجاهات القرآنية التي غرسها الإسلام، في قلوب الناس، والتي أدت إلى تنمية القوى العقلية في الإنسان المسلم، ففتحت أمامه آفاقا واسعة لا حدود لها )) .
واليوم على الغيورين أن يدرسوا حال المسلمين، الذين ابتلوا بالأفكار المستوردة، والأحزاب الحمراء المتنمرة. لنرى هل يمكن أن تعود حضارة المسلمين، وتشرق من جديد، فتنقذ الإنسانية من بلاء الإلحاد. وحضارة المادية العفنة.. وقبل أن نقرر إمكانية عودة الحضارة الإسلامية أضع أمام القارئ الحقائق التالية:
أولا: العالم الإسلامي حباه الله بأعظم النعم، إذ يتربع على كنوز ثمينة ويربض على ثروات معدنية هائلة، ويملك من حقول البترول أجداها نفعا، وأكثرها سخاء وثراء، وأقواها تدفقا وعطاء.
ثانيا: يملك العالم الإسلامي من شواطئ البحار والأنهار، والممرات، والطرق، البرية، والبحرية، والجوية، ما يجعله في مركز القيادة، ويمكنه من المساهمة والإشراف والتحرك الفعال.
ثالثا: مناطق الثقل في العالم الإسلامي بعيدة عن القطبين، ومصونة من الأعاصير، والطوفانات، والثلوج، والمد والجزر، والبراكين وهذا يتيح لها ما تستطيع به العمل والتقدم..
رابعا: العالم الإسلامي غني بالمحاصيل الزراعية، والإنتاج الحيواني، مما يمكن من قيام صناعات متقدمة ومتطورة.
خامسا: يعيش العالم الإسلامي اليوم في يقظة واعية، وصحوة صحية، إذا أحسن توجيهها، أثمرت..
تلك وغيرها أمور تجعل العالم الإسلامي، قوة إيجابية، مرهوبة الجانب مهيأة لإنقاذ الإنسانية من وهدة الضياع..
ولا شك أن الأمور الخمسة المذكورة مع ما سبق ذكره من مقومات الحضارة الإسلامية، هي أسباب قيام حضارة كاملة.. ومن هنا نقول في غير تردد، إن عودة المسلمين إلى إقامة حضارة إسلامية، أمر ممكن، ولا يحتاج منا إلى أن نخرب أنظمة الأمم، ولا أن نتمسك بأحزاب بعثها المخربون، ولا أن نقسم الأمة إلى أنظمة وجبهات، ولا أن نمزق المجتمع الواحد إلى يمين ووسط ويسار، واشتراكيين وأحرار.. وإنما يحتاج إلى أمر واحد فقط هو الإسلام. الإسلام سلوكا وعملا، والإسلام ثقافة وتربية، والإسلام نظاما وحياة، ولن يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها. والله الموفق..
[1] التسمية بالخليج الإسلامي هي أفضل طريقة أمام تحديات العصر.
[2] إقليم خوارزم هذا من الأقاليم الإسلامية التي كانت عامرة بالعلم والعلماء، وهو واقع الآن في قبضة الاستعمار الشيوعي الروسي..
التربية الإسلامية
مفومها:
في اللغة تأتي على ثلاثة معاني:
أ - الزيادة والنماء . ب - النشأة والترعرع . ج - الإصلاح .
في الإصطلاح:
مجموعة التصرفات العملية والقولية ، المأخوذة من الكتاب والسنة أو الاجتهاد في ضوئهما ، والتي يمارسها إنسان بإرادته مع إنسان آخر ، بهدف مساعدته في اكتمال جوانب نموه ، وتفتيح استعداداته ، وتوجيه قدراته ، وتنظيم طاقاته ، ليتمكن من ممارسة النشاطات ، وتحقيق الغايات التي يحددها الإسلام .
وهناك نتائج أساسية في فهم التربية:
1-أن المربي الحق على الإطلاق ، هو الله الخالق .
2-أن عمل المربي تالٍ وتابع لخلق الله وإيجاده ، كما أنه تابع لشرع الله ودينه .
3-أن التربية عملية هادفة ، لها أغراضها وأهدافها وغاياتها .
4-أن التربية تقتضي خططًا متدرجة ، تسير فيها الأعمال التربوية والتعليمية ، وفق ترتيب منظم صاعد ، ينتقل مع الناشئ من مرحلة إلى مرحلة
أهدافها وغاياتها
المقصد القريب هو الهدف ، والمقصد البعيد هو الغاية ، والباحثون يختلفون في ذكر الأهداف والغايات ، ويختلفون في تحديد الهدف الأساسي وما يتفرع عنه . والصواب أن غاية التربية هي العبودية الخالصة لله وحده ، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } الذاريات56 والعبودية على مستويات ، كل يختلف عن الآخر ، بحسب ما قام في قلبه للخالق عز وجل . والعبودية المرضية لله ، لها جناحان ، جناح عبادة لله وحده ، وجناح خدمة عباد الله لوجه الله . والأهداف للتربية ينبغي أن تتحقق في ضوء هذه الغاية . ولما كانت الأهداف كثيرة ومتنوعة ، فسوف نقتصر على الأهداف العامة والشاملة والدائمة ، وهي متدرجة ومترابطة ومتكاملة ومتناسقة مع الغاية المنشودة ، وتحت كل هدف عام يندرج تحته عدة أغراض تربوية جزئية ومرحلية ، وهي كالتالي:
الأول / بناء إنسان مسلم متكامل جوانب الشخصية .
الثاني / بناء خير أمة مؤمنة أخرجت للناس .
الثالث / بناء خير حضارة إنسانية إسلامية .
الرابع / البناء العلمي للأفراد والجماعات .
وبناء المسلم أساسًا لبناء تلك الأمة ، وبناء تلك الأمة أساسًا لبناء تلك الحضارة .
الأول / بناء إنسان مسلم متكامل جوانب الشخصية
وهي جوانب النمو الأساسية مثل:
-تحقيق النمو الصحي / التربية الصحية ، الوقاية ،صحة قوية .