فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 1942

ولسوف تتأكد هذه الخصيصة المحورية لدى مقارنة الحضارة الإسلامية بأية حضارة أخرى، دينية محرفة أو وضعية. إننا هنا بإزاء عودة إلى الجذور.. إلى الحقيقة الكبرى في أقصى درجات وضوحها وفاعليتها وتألقها.. إن الحضارة الإسلامية سيقدر لها أن تمنح الفعل البشري، وهو يعمل، فرصته في أن يستعيد وظيفته الأصيلة خليفة عن الله وحده في هذا العالم، مستعمرًا له وحده فيها: في التاريخ، في الجغرافيا، في النفس، في المجتمع، في الفلك، في الطب، في الهندسة، يعبر التوحيد الإسلامي عن نفسه.. في المعادلات الكيمياوية والجيوب واللوغارِتمات.. في المنائر الواثقة المتفردة الصاعدة إلى السماء، وفي القباب المتكورة على الخشوع والتسليم.. في كلمات الشعراء ولمسات المعماريين.. يتجلى التوحيد كما لم يتجل في أية حضارة أخرى.

لقد منح التوحيد نشاطنا الحضاري عبر التاريخ وحدته المتماثلة وشخصيته المتفردة.. شد جزئياته وتفاريقه في أنساق واحدة تتجه خيوطها جميعًا صوب الهدف الواحد، وتنبثق عنه، لكي ما يلبث النسيج في نهاية الأمر أن يجيء معبرًا بلسان الحال عن صنع يدي نساج واحد.

على مستوى الدافع يضع التوحيد العالم المسلم قبالة الله - سبحانه - مسؤولًا عن قدراته التي أودعه الله إياها، ساعيًا لأن يستثمرها حتى حدودها القصوى. على مستوى الهدف تصاغ معطيات هذا السعي المعرفي لكي تكون متوافقة مع كلمة الله، متجاوزة ما وسعها الجهد أيما قدر من الثنائية أو الازدواج.

وفي كل الأحوال فإن التوحيد يصير دافعًا لمزيد من العطاء، ومعاملًا لوحدة هذا العطاء ومنحه سماته الأصيلة المتفردة.

في التوحيد يغدو الكون والعالم والطبيعة من صنع الله القادر المهيمن المبدي المعيد، ويتحرر العالم المسلم من سائر الخرافات والصنميات التي تلبستها الطبيعة والعالم في المذاهب والأديان الأخرى، فعرقلت انطلاقه الحر للكشف عن السنن والطاقات والنواميس.. إن التوحيد يضع العالم المسلم حرًا في مواجهة الكتلة الكونية، فاعلًا مريدًا.. يضعه فوق هذه الكتلة سيدًا على الخلائق، ومن ثم يصير التوحيد فرصة كبرى للتحقق بالمعرفة، للاستزادة منها، من أجل الإمساك بتلابيب العالم والطبيعة والحياة.. والتقرب أكثر إلى الله. ودائمًا كان التوحيد هو صمام الأمان عبر تعامل الحضارة الإسلامية مع الحضارات الأخرى، فلا تأخذ، في الأعم الأغلب، إلا ما ينسجم وإياه، ولا تمرر إلا ما يسمح هو بتمريره إلى شبكة الحضارة الإسلامية. وها هنا أيضًا أعطى التوحيد الفرصة لهذه الحضارة بأن تتحقق أكثر بوحدتها وخصوصيتها، سيما إذا تذكرنا أن الحضارات الأخرى، كانت تنبض في إيقاعها، في كثير من الأحيان، أصوات الآلهة والصنميات والثنائيات والأضداد.

بإيجاز، حيث لا يسمح المجال بالاستفاضة في موضوع يحتمل المزيد، فإن التوحيد كما يقول الدكتور إسماعيل الفاروقي - رحمه الله - في كتابه (جوهر الحضارة الإسلامية) "هو الذي يعطي الحضارة الإسلامية هويتها، هو الذي يربط بين أجزائها، هو الذي يطبع كل ما يدخل إليها من عناصر فيؤسلمها ويطهرها فتخرج من عبورها في التوحيد متجانسة مع كل ما حولها. قديمًا وحديثًا كتب مفكرونا آراءهم في جميع الميادين تحت عنوان التوحيد، وذلك لأنهم رأوا فيه المبدأ الأكبر الذي يشمل جميع المبادئ الأخرى، ورأوا فيه القوة الكبرى التي تفجرت عنها جميع المظاهر المكونة للحضارة الإسلامية"التوحيد هو الشهادة عن إيمان بأن (لا إله إلا الله) هذه الشهادة السلبية في مظهرها، والمختصرة اختصارًا لا اختصار بعده، تحمل أسمى المعاني وأجلها. فإذا أمكن التعبير عن حضارة برمتها بكلمة واحدة، إن أمكن صب كل الثراء والتنوع والتاريخ في أبلغ الكلام وهو أقصره طولًا وأكثره دلالة كان هذا في (لا إله إلا الله) عنوانا للتوحيد وبالتالي للحضارة الإسلامية.

أسس الحضارة الإسلامية ومقوماتها

سهيلة العابدين

بعدما تحدثت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكة عن معجزة العرب الحضارية في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) تساءلت عن المقومات التي احتاجها العرب ليبعثوا مثل هذا البعث، كما تساءلت عن العوامل التاريخية والاجتماعية والروحية والفكرية التي كان لا بد لها أن تجتمع لتخلق هذه المعجزة التي حققها العرب.

وأقول جوابًا عن تساؤلات المستشرقة الألمانية:

إن الإسلام وحده هو الذي كان وراء هذه البعث العربي والإعجاز الحضاري الذي حققه العرب، فلقد كان العرب في حاجة إلى عقيدة إلهية واحدة تكون مصدر التجمع والتصور، ومنبع الفكر ومنهج الحياة..مؤثرة في المبادئ والشرائع والأنظمة والأوضاع التي تنظم المجتمع أفرادًا أو جماعات مع نظام مؤثر في الأخلاق والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين التي تسود المجتمع وتؤلف ملامحه مع سيادة القيم الإنسانية واستملاء الإنسان في العقيدة الإسلامية والنظام الاجتماعي الإسلامي.

أولًا: العقيدة:

تقوم العقيدة في الإسلام على تنظيم صلة الإنسان بالله وتعطيه قيمًا معينة وشريعة تنظم الحياة الاجتماعية حسب هداية الله - سبحانه وتعالى - أن ترتكز هذه العقيدة على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.وهي تعني الإفراد بالعبودية لله وحده دون سواه والاعتراف بالخلق والسلطان له - سبحانه وتعالى - وتنزيهه عن الشريك. ويتمثل ذلك في التصور والإدراك البشري من تلقي الإنسان لحقائق العقيدة من مصدرها الرباني الذي يتكيف به الإنسان في إدراكه لحقيقة ربه ولجلاله ولحقيقة الكون الذي يعيش فيه، ولحقيقة الحياة التي يعيشها، ولحقيقة الإنسان نفسه، ومن ثم تصبح عقيدة (أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها، فأركان الإسلام من مقتضياتها، صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وحدود، وتعازير، وحلال وحرام، وسلوك وأخلاق، والاعتراف بالعقيدة لله رب العالمين يقتضي الطاعة لله وحده والتسليم لحكمه دون سواه: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ {163} .

هذه العقيدة القائمة على التوحيد لها معطيات كانت وراء ما حققته الحضارة الإسلامية من سمو وإعجاز أدهش العالم وأثار تساؤلات علمائه عن هذه المعطيات ومن هذه المعطيات.

1-السمو الإنساني:

إذ أعطت هذه العقيدة لحامليها ومعتنقيها الطهارة في أسمى معانيها وأجمل صورها، الطهارة من الشهوات، فلا تستخذله شهوة، ولا تطوعه غريزة شر، بل تعطيه عقيدته قوة يستعصي بها على أي هوى أو نزوة، فلا يضعف، ولا يستكين لعواصف الشهوات، وإغراءات العادة، وقد يضعف أمام ذلك الكثير، رغم ما أوتوا من علم وما بلغوا من حضارة (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ {23} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت